الخلق وليست الولادة
[ 101 ] يبدو أن الآية السابقة نفت الفكرة القائلة بأن هناك في عالم الألوهية درجات ، كل إله له درجة ، بعضها كالأب وبعضها كالابن ، بيد أن هذه الآية تنفي وجود التوالد والتناسل ، فيذكرنا القرآن هنا : بأن نشوء الخلق ليس كما يزعم المبطلون من أنه عن طريق التوالد ، بل هو عن طريق الخلق المباشر .
بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ إذ ما من شيء يلد إلّا وكان له صاحبة ، إذ من دون ذلك تستحيل الولادة ، إذ يسبب في نقصان الشيء الأول وإنتهائه ، وإذا كان ربنا بحاجة إلى جزء مكمل حتى يخلق الخلائق ، فما الفرق بينه وبين أي مخلوق آخر ، ولماذا أساساً نعتقد بوجود إله ؟ إن المخلوقات تشهد على عجزها وحاجتها إلى الخالق وبحاجتها إلى بعضها ، ولا بد أن يكون الخالق بريئاً من ذلك ، ولنفرض مثلًا حاجة شيء إلى شيء آخر لتتم عملية خلق شيء ثالث ، أفلا يحتاجان إذن إلى قوانين وأنظمة لهذا التزاوج حتى يتم وكيف وبأي قدر وكمية ؟ بلى ، ومن يضع هذه القوانين ، ومن يجريها ؟ أوليس شخص ثالث ؟ وهو أعلى منهما ؟ .
وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ خلقاً مساوياً ، فنسبة أي شيء إليه هي نسبة سائر الأشياء دون زيادة أو نقيصة فهو خالقهم جميعاً وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ .
[ 102 ] وهذه بالضبط ، صفات الخالق من دون المخلوقين ، إنه بريء عن نسبة البنين والبنات إليه وعن الأولاد والصاحبة ، وعن الضعف والجهل ، فهو الذي تشهد فطرتنا بأنه الخالق الذي نتطلع إليه .
ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ والعبادة لا تنبغي إلا له ، لأنه خالق الأشياء ، ولأنه الذي بيده أمور الأشياء ، فهو الذي جري عليها الأنظمة ، ويهيمن على أمورها اليومية .
القريب البعيد
[ 103 ] وصفة حسنى لله ، هي صفة القرب المتعالي ، فبالرغم من أن الأبصار لا تدركه لأنه متعال عن الحدود والأبعاد والاتجاهات والأبصار ، كما أن العقول لا تدرك شيئا مطلقا لا حدود له ولا أبعاد ، بالرغم من ذلك فهو قريب من الأشياء ، فهو يدرك الأبصار ، ويحيط علمه بما في العقول والأفكار لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وهذه الصفة تدل على منتهى اللطف ، حيث أنه يدرك كل شيء لأنه يحيط بكل شيء وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ .
من هدى القرآن — صفحة 398
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣٩٨