لم يتقيدوا بشيء اسمه دين أو ضمير أو نظام ، بل أخذوا يتمتعون بما في الحياة من دون قيد أو شرط . أسرفوا في كل ما هو لذيذ . طيباً كان أو خبيثاً ، وأسرفوا في الجنس مشروعاً كان أو شذوذاً ، وأسرفوا في التظاهر بالصلاح أو الفساد ، ولكن إلى متى تبقى موارد الطعام والجنس والشهوة ، وكم هي قدرة البشر على استيعابها ؟ ! بالطبع أن هناك حدوداً تنفد عندها موارد الطبيعة ، وتنهك قدرة البشر على استيعابها ، وهي التي نسميها مرحلة الإشباع ، والتي تنعكس على النفس في حالة ( الفرح ) أي الشعور بالكمال والغنى والإشباع ، وعندها يكون السقوط المفاجئ .
حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ويكون السقوط المفاجئ نتيجة تراكمات الإسراف الدائم ، ولكن لحظة السقوط لا يشعر بها المغرور الفرح إلا بعدئذ . لذلك عبر القرآن عن حالتهم : بأنهم كانوا آنئذ مبلسين ، وكانوا في ظلام دامس .
إن مَثَل الأمة مثل الشاب الذي يسرف في - الطعام والشراب والجنس والبطش والفساد - ويستمر لفترة من الوقت حتى يشعر بأن كل لذائذ الدنيا في متناول يده ، وهو لا يدري أن أنواعاً من المرض قد أحاطت بجسده ، وأن سحباً داكنة من حقد المظلومين ، وأنصار الحق تقترب منه ، وفي لحظة سوداء ، وربما وهو جالس على مائدة الشراب ، ولذائذ الطعام ، وإلى جانبه فتيات الهوى ، وغلمان الشذوذ ، وهو في غمرة من الفرح والإشباع ، فإذا بالشرطة تداهم بيته ، وإذا به يشعر بأنواع الألم وهو في غياهب السجون ، وإذا به في موقع لعنة الناس جميعا ، وأخيرا يسلم إلى حبل المشنقة غير مأسوف عليه .
كذلك الأمة التي تنفلت من قيود الدين والأخلاق ، وتعمل بالظلم والبطش وتسرف في كل شيء ، إنها تشعر بالغرور والكبرياء ، ولكن في لحظة واحدة يهجم عليها عدوها فيهزمها شر هزيمة ويذيقها الأمرَّين .
[ 45 ] وحين تنتهي هذه الجولة ينحسر غبار المعركة عن أمة سادت ثم بادت ، ولم يبق منها سوى الذكر السيئ .
فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وهذا الحمد ، هو حمد الناس حين يشعرون بأن كابوساً عظيماً ارتفع عنهم ، وهو حمد الناس حين يعرفون أن رحمة الله هي التي أنقذتهم من هذا الكابوس بفضله العظيم .
ولولا رحمة الله الذي أجرى هذه السنة الحكيمة إذن لبقي الناس يرزحون تحت وطأةُ الطغاة .
من هدى القرآن — صفحة 349
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣٤٩