تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 347

مساهمون:

ص٣٤٧
فيه ، بل برحمته وحسب حكمته يفعل ما يشاء . وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ ما تشركون به من أهواء ، وقوى مادية شريرة ، فالإنسان يعبد أهواءه ، يعبد شهوة الراحة في ذاته ، شهوة النزوة ، والجنس والخلود ، ثم يزعم أن قوى الطاغوت توفر له هذه الشهوات ، فيعبد تلك القوى ويصنع لها رموزاً مثل الأصنام وما أشبه ، وربما لذلك عبر القرآن الحكيم هنا بكلمة مَا للدلالة على أن ما تشركون به الله هو من الأشياء التي لا تعقل ! وهي تعود بالتالي إلى شهوات الإنسان ، تلك الشهوات إنما يخضع لها البشر ، ويخضع لمن يملكها لأنها - في زعمه - تنفعه ، وتحافظ على وجوده وكيانه ، وتحقق تطلعاته ، فإذا جد الجد عرف أن كل تلك الشهوات لا تنفعه شيئاً ، وإنما خالق البشر ومقدر أموره ومدبر شؤونه هو الذي يكشف ضره ، فينسى كل تلك الشهوات ويتوب إلى الله سبحانه . حكمة الشدائد من الشدائد البسيطة وحتى الآلام ، التي تصيب البشر هي توعيته بحقائق الأمور بدءاً من الشدائد البسيطة وحتى الآلام وإلى أن يصل إلى العذاب فالساعة ، فمثلًا الحكمة من الإحساس بالجوع هو التفتيش عن مصدر الغذاء ، والتحرك إليه ، ومن خلال الإحساس والتفتيش والتحرك تنفتح أمامك أبواب المعرفة ، ولو لم يكن البشر يحس بالجوع إذا لما كان يعرف جزءاً كبيراً من الحياة ولم يكن يعرف الزراعة والري والصيد . . الخ ، وكلما كان حصول البشر على الغذاء أسهل كلما كانت معرفته بالحياة أقل ، والألم يجعلك تحس بالحياة بشكل أعمق من ذي قبل إنك لا تعرف أساساً موقع كبدك أو كليتك أو حتى قلبك إلا بعد أن يتألم هذا العضو أو ذاك ، وعندئذ تتحسس ليس فقط بوجود العضو ، وإنما بأهميته أيضاً ، وتتشبث به أكثر . إن المريض أشد تعلقاً بالحياة ، وأرهف إحساساً بأهميتها من غيره ، والشدائد في الحياة تكشف نقاط ضعف الإنسان . سواء الفرد أو الأمة ، مثلًا . الهزيمة تكشف عيوب الأمة أكثر مما يكشفه ألف كتاب وكتاب . [ 42 ] ولذلك يذكرنا القرآن هنا ، بأن الهدف من إصابة الإنسان بالمشاكل ، هو نفس الهدف من بعث الرسالات والرسل ، إن الهدف من الرسالة هي توعية الإنسان بحقيقة العبودية المطلقة التي يعيشها ، والتي هي في الواقع مفتاح صلاح الإنسان وقدرته ورفضه الخضوع للجبت والطاغوت ، وكذلك الهدف من الشدائد . وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ بالشدائد الآتية من ظلم الناس لبعضهم .