وَالضَّرَّاءِ بالشدائد التي مصدرها غضب الطبيعة . إنما أخذهم الله بذلك بعد بعث الرسل ، وربما بسبب عدم انتفاعهم بالرسالات .
أما الهدف فقد كان لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ .
[ 43 ] وبالرغم مما أخذهم الله به من العذاب فإن أولئك الذين قست قلوبهم ، ولم تستوعب دروس التجربة المرة ، عادوا بعد النكبة إلى سابق أعمالهم وعاداتهم السيئة .
فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا أي لماذا لم تلن قلوبهم ، ولم تعد إلى حالتها العادية ، حيث تتأثر بالتجارب بعيداً عن نزوة الغرور ، وظلام التكبر .
وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ ولم تتفاعل مع الحياة ، وانغلقت على مفاهيم ثابتة جامدة وصخرية ، والسبب قد يكون هو التمحور حول الذات ، وعدم الالتفات إلى الحق ، وحين تكون النقطة المركزية في حياة الإنسان هي ذاته ، تصبح حياته بعيدة عن التطور ذلك لأن كل عمل يقوم به الشخص يصبح حسناً لا بشيء ، وإنما لأنه هو الذي عمله ، وحتى لو عمل هذا الشخص عملًا من دون وعي ، فإنه سوف يقدسه لأنه صدر منه ، ونسب إلى ذاته ، وهذا هو الذي يجعلك تحتفظ بالعادات السيئة ، فإذا بك متعصب لها لأنها من صنع ذاتك .
وَزَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ولكن على البشر أن يعرف : أن الأعمال السيئة ليست جزءاً من ذاته ، ولا تصبح كذلك حتى ولو صدرت هذه الأعمال منه ، لأن الإنسان قد خلق في أحسن تقويم ، وإنما الأعمال السيئة هي من عمل الشيطان ومن وحيه ، ومما يزينه للإنسان .
اشراط العذاب
[ 44 ] لقد أتم الله حجته على هذه الفئة ، أرسل إليهم رسالة ورسولًا ، وأخذهم بالبأساء والضراء ليكون ذلك رسالة واقعية وعملية لهم ، ولكنهم لم ينتفعوا بواحدة من الحجتين . . وها هي ساعة العذاب ، فكيف يعذبهم الله ؟ .
إن الله يمهد للانتقام بفتح أبواب الرزق عليهم من كل صوب ، ثم حين يصلون إلى مرحلة الإشباع التام ، ولا تبقى في قلوبهم ذرة من إنما يأتيهم العذاب فجأة .
فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ مما تصوروا انه خير لهم ، ولم يكن خيراً ، بل هو شر عظيم ، ففتح الله عليهم أبواب الطعام ، والجنس والشهرة ، لأنهم
من هدى القرآن — صفحة 348
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣٤٨