تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 351

مساهمون:

ص٣٥١
وعند هذه النقطة تنتهي وظائف الأنبياء ( عليهم السلام ) ، فإنهم لم يأتوا ليتخذوا قرارات بديلًا عن الناس ، أو يكرهوا الناس على اتباع الحق ، أو ليوفروا لهم الخير ، كلا . بل إنما جاءوا ليساعدوا الإنسان على الرؤية السليمة ، ثم يكون هو المسؤول عن ذاته . وعلاقة هذا الدرس بما مضى هو بيان أن : الضراعة إلى الله لا تختص بحين نزول المصيبة ، بل نحن بحاجة إلى الضراعة إلى الله في كل حال . بينات من الآيات : أسباب الهداية [ 46 ] لكي نصل إلى الغاية - أية غاية - لابد أن يتوفر لدينا شرطان : الأول : أن يكون أمامنا سبيل معبد ينتهي إلى تلك الغاية . والثاني : أن نملك الرؤية الكافية التي نكشف بها ذلك السبيل ، والله هو الذي سن السنن ، وعبد السبل أمام البشر للوصول إلى أهدافه النبيلة ، وهو الذي زود الإنسان بالرؤية الكافية ، أما لو سلبه هذه الرؤية فإنه سوف يصطدم بالعقبات أو يقع في واد سحيق ، وليس فقط يضل الطريق : قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ السمع جاء مفرداً في آيات القرآن . ربما لأن ما يسمعه الإنسان أقرب إلى العقل ، وأنسب إلى المجردات والكليات . خصوصاً إذا فسرنا السمع ب - ( الأقوال ) التي نسمعها من الآخرين حول الحقائق ، بينما الأبصار جاء جمعاً في القرآن ، ربما لأن ما يراه الإنسان متنوع ومختلف ، وأقرب إلى الواقعيات الخارجية . وسواء ما يسمعه البشر وينقل إليه من تجارب الآخرين وعلومهم ، أو ما يراه بنفسه ويحصل عليه من علم وخبرة بصورة مباشرة ، فإنهما نافذتان إلى القلب أو العقل فلو ختم الله على قلب البشر ، وأزال عنه مقاييسه العقلية ، ومسبقاته الفطرية ، فماذا يبقى عنده ؟ إنه سوف يفقد القدرة على تعقل الأحاسيس ، ويتجمد على ما يسمعه أو يراه دون أن يستنبط منهما حقائق جديدة ، أو يستدل بهما إلى ما ورائهما من حقائق وواقعيات . إنه آنئذ يرى شعلة النار دون أن يعقل أن الشعلة نذير الحرارة والحرارة سبيل الاحتراق والانتشار ، وأنها لا تنشأ بلا سبب ، وأن الذي أشعل النار كانت له دوافعه وأهدافه . كلا . . إنه يرى الشعلة فقط ، وقد يقع فيها ويحترق . كذلك الذي يختم الله على قلبه . يقف في فهم الحقائق عند حد معين دون أن يصل إلى الجذور البعيدة لها . يرى الفقر دون أن يعرف إن النظام الاقتصادي هو وراء الفقر . يرى المرض دون أن يعرف أن اللامبالاة في الوقاية هي السبب . يرى العجز الحضاري دون أن يهتدي إلى أن الطاغوت هو السبب المباشر أو غير المباشر له ، وهكذا يبقى في العذاب أبداً .