تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 331

مساهمون:

ص٣٣١
بينات من الآيات : علاقة القرآن بالشخصية الإنسانية [ 20 ] الكتاب نعمة من الله على المؤمنين ، والمؤمنون يعرفون قدر الكتاب . إذ أنه بالنسبة إليهم كما أبنائهم ، يعرفون انه حقيقة كما أن الأبناء حقيقة ، وأن - ملامحه ، بيناته ومتشابهاته ، ناسخه ومنسوخه ، بصائره وأحكامه - واضحة لهم ، كما هي ملامح أبنائهم الذين هم أقرب الخلق إليهم ، وأنه يزيدهم قوة وأملًا ، كما الأبناء يزيدون الآباء قوة في الحاضر ، وأملًا في المستقبل ، وأهم من ذلك كله أن الأبناء هم امتداد لشخصية الأب ، يجد الأب فيهم صورة ثانية من ذاته ، ومرآة لقدراته وقيمه ، وتحقيقاً لإرادته ، وكذلك القرآن يبلور شخصية المؤمن ، ويحقق ذاته ، ويصبح إذا عرفه الإنسان صورة عن قيمه وتطلعاته ومستقبله . من هنا فإن الكفر بالقرآن يساوي الكفر بالشخصية الإنسانية ، وبالتالي يعني خسران الذات وفقدانها ، انك حين تفقد - لاسمح الله - ابنك تشعر وكأنك قد خسرت جزءاً من ذاتك ، بيد أنك حين تكفر بكتاب الله فإنك تخسر نفسك أيضاً الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ . ولكن كانوا أنفسهم يظلمون [ 21 ] حين يكذب المرء بآيات الله لا يعيش في فراغ ، بل يبحث عن أراجيف يؤمن بها وكأنها آيات من الله ، بل ويبدأ المرء في خلق الأراجيف ، أو تقليد آبائه أو مجتمعه في الإيمان بها ، وافترائها على الله ، ثم يكفر بآيات الله الصحيحة ، وبذلك يكون أظلم الناس ، إذ قد يكون مجمل سلوك الشخص صحيحاً ، ولكنه ينحرف في جانب من حياته ، أو في بعض الأوقات فحسب ، أما من يتخذ مسيرة منحرفة ويؤمن بنهج خاطئ ، فإنه لا يخطو خطوة إلا ويبتعد عن الحق بقدرها ، ويظلم نفسه والآخرين ، وإذا كان الظالم لا يسعد بالظلم فكيف بهذا الذي يبني كل حياته على الظلم من بدايتها حتى نهايتها ؟ ! وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ . [ 22 ] الحق تعيش عليه ، والباطل يعيش عليك ، فأنت الذي تصنع الباطل ، وتجهد نفسك في الدفاع عنه ، ولكنه يزول دون أن ينفعك في ساعة العسرة ، بينما الحق يبقى ينصرك دون عناء منك .
من هدى القرآن — صفحة 331 | السيد محمد تقي المدرسي