لا داعي للخلاف ، إنما يجب التقوى لله سبحانه بالتزام أوامره كاملة ، وإذا التزم الإنسان أوامر الله فهو شكر نعمه السابقة ، وعموما الشكر يعني - فيما يعني - التفكير في أسباب النعمة ، بهدف المحافظة على تلك الأسباب ، وبالتالي المحافظة على النعمة ذاتها ، في حين أن كفر النعمة يعني العكس تماما . وذلك بالتفكير بأن النعمة أبدية ، وبالتالي إهمال المحافظة عليها ، وعلى العوامل التي أدت إليها ، حتى تزول النعمة تماما .
والنصر ، لا يجوز لنا أن نركن إليه ، ونترك الاستعداد للمعركة القادمة ، إذ إن النصر نعمة ، ولها عواملها . ومن أبرز عوامل النصر الاستعداد ، وعلينا الاحتفاظ بتلك العوامل ، والاحتفاظ بعوامل النصر ، يسميه القرآن هنا بالتقوى ، حسبما يبدو .
[ 124 ] جيم : التعبئة المعنوية ذات أثر كبير في الحروب ، والإسلام يوليها اهتماما كبيرا وأهم عنصر فيها ، الإيمان بالنصر ( بعد الإيمان بالقيم التي يحارب من أجلها الجندي ) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنْ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ .
[ 125 ] والملائكة وقفوا بجانبكم ، ولكن دون أن يعني ذلك أنهم حاربوا بديلا عنكم ، إنما هبطوا بعد تحقق أمرين :
أولًا : لم يأتوا إلا بعد أن عملتم أنتم بكافة واجبات الحرب ( الصبر والتقوى بالتفسير السابق للكلمتين ) ، ولم تبق لديكم حيلة لسرعة مداهمة العدو لكم بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنْ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ أي يقتلون العدو ويخلِّفون فيه علامة .
[ 126 ] ثانياً : إن أهم خدمة أداها الملائكة لكم ، هي إعادة الثقة بأنفسكم ، واطمئنان قلوبكم بالنصر وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ أما النصر الحقيقي فهو من الله وليس من الملائكة ، والله قادر على أن ينزل نصره بألف سبب وسبب ، ولكنه لا ينزله من دون كفاءة مَنْ ينزله عليه وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ فهو عزيز ( قادر ويستخدم قدرته ) ، وهو حكيم لا ينصر من ينصره عبثا ، ودون أن يوفر هو أولا مؤهلات النصر في ذاته .
[ 127 ] دال : أهداف القتال الاستراتيجية ثلاثة :
- فإما شل القدرة العسكرية للعدو ؛
- أو تحطيم الروح المعنوية له ؛
- أو تحييده مؤقتاً ، ويكون أمره إلى الله في المستقبل لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا
من هدى القرآن — صفحة 455
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٤٥٥