العمل لا يمكن أن يكون لله ، إلا عن طريق الرسول . إذ لا يوحي الله إلى كل إنسان وفرد . فإذا حاول كل منا أن يستكشف الدين من خلال عقله ، فإن انحرافات كثيرة سوف يقع فيها ، بسبب امتزاج عقله بهواه ، وعلمه بشهواته من هنا جاءت الآية : قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ اتباع الرسول يستدرج غفران الله ، ولأن مجرد الاتِّباع تنازل عن ذاتية الإنسان ، وارتفاع إلى مستوى التسليم لله ، فهذا العمل العظيم يشفع لصاحبه في بعض الذنوب الصغيرة .
[ 32 ] اتباع الرسول يتم بتطبيق رسالة الله التي نزلت عليه ، واتخاذه أسوة حسنة فيما قام به من عمل ، أو تمييز به من سلوك . ولكن الاتباع وحده لا يكفي ، بل يجب طاعة الرسول أيضا . وذلك فيما يرتبط بالقضايا التي تحدث يوميًّا ، وتتجدد ، من حرب وسلم ، واقتصاد وسياسة ، واجتماع وعمران ، وبالتالي في كل الحقول الحياتية المتجددة وطاعة الرسول في هذه القضايا جزء من طاعة الله : قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فكما أن طاعة الله واسعة وشاملة ، كذلك طاعة الرسول فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ .
وهؤلاء الذين يرفضون طاعة الرسول هم بمثابة الكافرين إذ إن أهم فوائد الإيمان التسليم لله ، ليس في القضايا الثابتة من حياة الإنسان فقط ، بل وفي الأحداث المتطورة ، التي تتركز فيها ضغوط الحياة بشكل حاد ، ولا تدع صاحبها يطيع القيادة الرسالية ، إلا بصعوبة بالغة .
[ 33 ] ولكن لماذا نتبع الرسول ونطيعه ؟ أفليس من الأفضل أن يتَّبع كل منا عقله ، ويطيعه في قضاياه ، مسترشدا بالتعاليم الدينية ؟ لماذا يضع بينه وبين الله واسطة بشر آخر هو الرسول ، أو القيادة التي تجسد رسالة الدين ؟
الجواب : إن البشر الذين يأمر الله عباده باتبِّاعهم ، ليسوا كسائر البشر إنما هم صفوة الله في الأرض . اختارهم الله بعد أن ابتلاهم ، ووجدهم أهلا لرسالته . واتباعهم ، وطاعتهم ، ضمان للبشرية من الانحراف عن خط الرسالة ، والاختلاف فيما بينها من زحمة الحياة ، وتحت ضغوط الأهواء الشديدة . * إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ .
[ 34 ] ولم يكن هذا الاصطفاء بسبب عنصري ، والدليل على ذلك أن الله اختار آدم ، وآدم أب الناس جميعا . ثم اختار من آل إبراهيم ومن آل عمران ، أنبياء دون أن يميز واحدا على آخر على أساس عنصري . فلم يكن عنصر آل عمران أفضل من سائر فصائل آل إبراهيم المنحدرين من غير عمران . . بل هؤلاء بعضهم من بعض دون تمييز ، فهم قمة السمو ولا يجوز
من هدى القرآن — صفحة 401
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٤٠١