كذلك الإيمان ، لو رافق حركة النمو عند الطفل منذ البداية ، ساعد على استقامة الطفل في كافة جوانب تربيته . وذلك بألَّا تنمو فيه صفة على حساب صفة . فلا دلال على حساب المسؤولية . ولا كبت على حساب الشعور بالكرامة ، ولا حب على حساب الاستقلال ، ولا جفاء على حساب العلاقة الاجتماعية .
كما يساعد جو الإيمان في البيت ، على تعزيز روح الالتزام في نفسية الطفل . ذلك لأن الطفل الذي لا يرى الذين من حوله ينفذون برامج محددة ، وبإخلاص واطمئنان ، فهو الآخر يحب أن ينفذ برامج مثلها من دون ضغط .
كل ذلك ساعد على إنبات مريم نباتا حسنا ، وكان من أفضل نعم الله على مريم ، انه كفلها زكريا ذلك الشخص العالم ، والنبي العظيم ، الذي أفنى عمره في الله ، وخدمة لعباد الله . وهكذا يكون دور المربي الصالح ، في تنمية كفاءات الطفل ، حيث أثمرت تربيته الصالحة ، ودعاء أم مريم وتربيتها في تكوين مريم التي اتجهت كلية إلى الله تعالى ، وأخذت تقف ساعات طويلة ، تتضرع إلى الله وقابلها ربها بفضله وذلك : كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ هذه مريم وأولئك أهلها ، وتلك تربيتها ، وهذا كفيلها ، وهذا من فضل ونعم الله عليها .
كيف يختار الله الرسل ؟
[ 38 ] لنترك مريم مؤقتا إلى قصة أخرى تبين كيف يصطفي الله رسله .
بيَّن الله ببساطة لماذا فضلت مريم ، والآن يبين أن كل من اتبع الطريق ذاته فسوف يصل إلى النتيجة التي وصلت إليها مريم ؟ فهذا زكريا حين وجد عند مريم رزقا في غير موسمه ، ومن غير الطرق العادية ، عرف أن الدعاء إلى الله ، زائدا العمل الخالص لله ، ينفع الإنسان في الوصول إلى طموحاته ، وغاياته بالطرق غير الطبيعية .
لذلك توجه إلى الله ، بهدف تحقيق أمنية قديمة عنده هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ وبالطبع كان زكريا كأي نبي آخر ، يعلم أن الله يجيب الدعاء ، ولكن وجد مناسبة صالحة للدعاء ونبَّه عليها القرآن بكلمة هُنَالِكَ لكي تكون لنا عبرة ، تدل على أن الله لا يَمُتُّ إلى أحد بقرابة ، بل يجازي كل من يعمل صالحا . فلم تكن مريم الوحيدة التي أجيبت فيها دعوة والدتها ، بل زكريا هو الآخر استفاد من الوضع ودعا ربه فاستجاب له ربه في ذريته .
من هدى القرآن — صفحة 403
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٤٠٣