التمسك ببعضهم دون البعض الآخر : ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ، فيختار من عباده ، من يرى فيه صلاحية الاختيار . ولا يختار رسله من عنصر معين أنى كانوا .
في رحاب الاختيار
[ 35 ] ولنستمع إلى قصة واحدة لهذا الاختيار ، ولتبدأ القصة من هناك ، من داخل القلب الطاهر والنية الصادقة والإيمان التائب : إِذْ قَالَتْ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ إنها كانت كأية امرأة أخرى ، حملت بجنين ، وأخذت تفكر في مصير الجنين الجديد . لم تفكر في أن يصبح رجلا ثريًّا ، أو ملكا كبيراً ، أو عالماً ، أو طبيباً ، أو مهندساً أو ما أشبه . ولم تحلم بأيامها معه في المستقبل ، حيث يساعدها على مشاكل الحياة حين تضعف مقاومتها للمشاكل . كلا لم تفكر امرأة عمران بهذه الأحلام المادية ، بل فكرت في رسالة الإنسان في الحياة ، وهي عبادة الله ، والعمل في سبيله ، فنذرت أن تجند ابنها لهذه الغاية ، وتحرره من أية روابط اجتماعية ، أخرى ، حتى يتفرغ في سبيل الله ، ثم تضرعت إلى الله أن يتقبله بفضله .
[ 36 ] وكانت هذه أمنية امرأة عمران طوال فترة الحمل ، حتى إذا وضعت أنثى صعقت ، وكأن آمالها قد خابت ، حيث زعمت أن الأنثى لا تستطيع أن تتفرغ للعمل الجهادي في سبيل الله فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ فهي ليست أنثى كأية أنثى . إنها صدِّيقة تكونت في رحم امرأة عمران المؤمنة الصادقة ، ونمت فيها روح الرسالة بسبب إيمان أمها ، وعملها الصادق أيام حملها لها ولكن امرأة عمران قالت : وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ .
آثار التربية على نمو الطفل
[ 37 ] وكان لهذا الإيمان الصادق أثر في مستقبل مريم . . ذلك لأن إيمان الأم ، وتربيتها ، يؤثران إيجابيًّا في تنمية فطرة الإيمان في الوليد . وقد رأينا كيف أن امرأة عمران ، تضرعت إلى الله بأن يعيذها من الشيطان ، وتعني ضراعتها أنها أخذت تعمل من أجل هذه الغاية أيضا ، إذ الدعاء هو قمة العمل الجهادي عند المؤمنين وليس أبدا بديلا عن العمل . من هنا كان للدعاء والعمل أثر إيجابي كبير على مستقبل مريم : فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا إن الإيمان كسكة الحديد لو وضع قطار عليها . ساعدت على استقامته وتقدمه .
من هدى القرآن — صفحة 402
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٤٠٢