تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 404

مساهمون:

ص٤٠٤
[ 39 ] فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ كما كانت مريم من قبل قائمة في المحراب ، فكان يأتيها الرزق من السماء . أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنْ اللَّهِ تلك الكلمة التي هبطت على مريم بعدئذ في شكل عيسى ، حيث كان يحيى نبيًّا تابعا لعيسى ومصدقا به : وَسَيِّداً بالرغم من أنه تابع لعيسى ، إلا أن اتِّباعه لعيسى عليه السلام كان نابعا من إيمانه بالله ، فلم يفقده كرامته وسيادته وَحَصُوراً معصوما عن الذنوب ، وبصفة خاصة الفواحش الجنسية ، التي كانت شائعة يومئذ ، والتي قتل بعدئذ في مقاومته لها وَنَبِيّاً مِنْ الصَّالِحِينَ . [ 40 ] كان زكريا قد دعا ربه ، حين وجد عند مريم رزقا ، دعا ربه في قمة تأثره بالحادثة ، لأنها ذكَّرته بأمنيته القديمة . أما الآن وهو في المحراب ، فقد نسي نفسه وأمنياتها ، وربما يكون قد نسي حادثة الدعاء . إنه الآن متوجه إلى الله وحده خالص لله وجهه ، لذلك فوجئ ببشارة الملائكة : قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِي الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ . [ 41 ] كان مجتمع بني إسرائيل آنئذ فاسدا ، إلى درجة أنهم كانوا يرتابون حتى في زكريا . والآن لو ذهب إلى الناس ، وأخبرهم بأن الله رزقه يحيى من امرأة عاقر ، فكيف يصدقونه . . لذلك قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً وذلك في صيام صامت ، واعتزال ظاهر عن الناس الذين فسدت ضمائرهم ، وأخذوا يتشككون فيه . إن نوع العبادة كان ينسجم مع نوع المجتمع . وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ فمزيدا من الارتباط بالله ، عن طريق ذكر الله وتسبيحه ليل نهار ، هو الكفيل بإعادة ثقة الناس بالنبي . إذ النبي لا يُعرف بكثرة المال ، أو كثرة الحديث ، بل بالتوجه إلى الله ، والدعوة إليه . وهذا من أبرز علامات الأنبياء دائما . . وعلى الناس أن يفكروا هم بأنفسهم ، إن زكريا لا يمكن أن يكون كاذبا ، فيأتي بوليد من الشارع ( حاشا لله ) ويسميه ابنا له ، إن على الناس أن يعرفوا نبيهم بعقولهم ، لا بمزيد من خوارق الطبيعة . والمجتمع الذي لا يريد أن يتعرف على رسوله ، لا تنفعه خوارق الطبيعة ، كما لم تنفع مع أقوام المرسلين السابقين . لعله لهذا لم يزود الله زكريا بآيات خارقة للطبيعة . بل أمره بالمزيد من تطبيق شريعته ، وفي ذلك أكبر دليل على صدقه .
من هدى القرآن — صفحة 404 | السيد محمد تقي المدرسي