وبالرغم من أن السبب واحد ، إلا أنه يتدرج في مراحل ، ابتداءً من الزيغ في القلب ، وانتهاءً بالكفر ومرورا بالتكذيب .
ألف : أما عن الزيغ فقال ربنا : فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ
ما هو الزيغ ؟
الزيغ هو : الانحراف والانصراف عن الحق . ويُعتقد أن القرآن يفسر الخطأ الإنساني تفسيرا نفسيًّا فلا يخطأ الإنسان إلا بسبب انحراف في نفسه من عقدة الضعة ، أو ترسب الأفكار الوراثية ، أو الاستسلام لأفكار المجتمع أو الجماعة التي ينتمي إليها ، أو الخضوع لضغوط الشهوة ، أو التسرع في إصدار الحكم بهدف الراحة أو بسبب توتر النفس .
وحين تنتهي مشكلة الإنسان النفسية بتنمية إرادته ومقاومة الضغوط ، فإن العقل ينطلق للبحث السليم وسيصل - بالطبع - إلى المعرفة .
وقد يطرح سؤال : كيف تكون المشكلة العقلية مرتبطة بالمشكلة النفسية ، علما بأن وعي الإنسان قادر على أن يكون حاجزا يقف أمام خلط أحكام النفس وأمانيها ، مع بصائر العقل وأفكاره ؟
الجواب : إن محيط النفس والعقل هو محيط واحد ، وحين تهوى النفس شيئا فإنها تقوم بالتسويل للعقل ، والتزيين له ، حتى تحجبه عن الرؤية تماما ، خصوصا إذا استجابت إرادة الإنسان ( وهي القوة الحاسمة عند الإنسان ، التي تختار العقل أو الهوى ) للنفس ، فإنها تحاول القيام بعملية خداع ذاتي ، وأكثر ما يقع الناس في الخطأ هو بسبب الخداع الذاتي . حيث يصعب عليهم أو يستحيل في بعض المراحل تمييز بصائر العقل وأفكاره عن أهواء النفس وأمنياتها .
من هنا تكون التربية النفسية طريقا لتحرير العقل من أغلالها . أما إذا انحرفت النفس فإن العقل سيتأثر سلبيًّا . من هنا اعتبرت الآية الكريمة زيغ النفس وانحرافها سببا لتأويل الباطل وحذَّرت من أي نوع من الزيغ .
التأويل
بعد وجود الزيغ في القلب تبدأ عملية التأويل ، وهي تطبيق القيم العقلية والرسالية على أهواء الذات ، فمثلا : يتم تطبيق قيم العدالة والمساواة على هوى الذات . كيف ؟ يقول من
من هدى القرآن — صفحة 378
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣٧٨