تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 380

مساهمون:

ص٣٨٠
وكلمة أخيرة : إن هذه الآية لتدل على أن أهم مسؤوليات رجل العلم تطبيق القيم على الواقع تطبيقا نزيها . الإيمان قبل المعرفة ثم تتحدث الآية عن علاقة الإيمان بالمعرفة ، وتؤكد أن المعرفة هي وليدة الإيمان ، وليس العكس ، والسبب أن الشرط المسبق للمعرفة هو الاستعداد النفسي لتقبلها والتسليم لها متى ما ظهرت له . إن الفرد الذي يتكبر - سلفا - على الحق ، ويستبطن في نفسه رفض الحق إن جاءه فسوف لن يصل إلى المعرفة ، وإنما يعرف الراسخون في العلم التأويل الصحيح للقرآن لأنهم يؤمنون به سلفا ولا يريدون تكييف القرآن حسب أهوائهم ، إنما يبتغون الاتباع والتسليم يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الأَلْبَابِ هناك قضايا واضحة كالقضايا التي تحدثت الآيات الماضية عنها ، ولكنها تحتاج إلى التنبه إليها ، فمن يتنبه ؟ إنما الذي يمتلك اللب يتذكر ومن لا يمتلك كيف يتذكر ؟ وبماذا يتذكر ؟ إنما باللب ، فما هو اللب ؟ هل هو العقل باعتباره جوهر الإنسان ولبه ، أم أن أولي الألباب هم الذين لا يهتمون بالقشور والظواهر ، وإنما بالحقائق التي تكشف الظواهر عنها . [ 8 ] من الذي يكشف انحراف النفس ( زيغ القلب ) غير الإنسان ذاته . وبالرغم من أن الآخرين قد يساعدونه في التنبيه إلى زيغه وانحرافه ، إلا أنهم لا يقدرون على إصلاحه إلا إذا أراد هو . والوعي الذاتي لا يصلح القلب بعد الزيغ فحسب ، إنما يمنع عنه الزيغ في المستقبل أيضا . لذلك تجد الراسخين في العلم يتوسلون إلى الله من أجل ألَّا تزيغ قلوبهم . وبهذا الدعاء يخلق الله في أنفسهم مناعة عن الزيغ ووعيا ذاتيا لاكتشافه متى تسرب إلى قلوبهم ، فهم يكررون أبدا : رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ إن الرحمة الهابطة من الله أقسام . ولكن أهمها هي المعرفة التي يمن بها الله على البشر سواء وحيا بالقرآن ، أم إلهاما . وينمي الدعاء تطلع المؤمنين الراسخين في العلم إلى المعرفة ولذلك فهم يرددون هذا الدعاء ويطلبون الرحمة ( المعرفة ) من الله . وأساسا الروح العلمية بحاجة إلى تربية وتنمية ، وبهذا الدعاء ينمِّي المؤمنون هذه الروح .
من هدى القرآن — صفحة 380 | السيد محمد تقي المدرسي