بشر كسائر البشر . إلا أنه بشر يتميز باتباعه للحق وتجسيده له .
والحق الذي نزل به القرآن على النبي صلى الله عليه وآله ، هو التعبير الموجز عن التوافق بين الطبيعة وحياة الإنسان . وان التشريع السليم للحياة ينبغي أن يكون متناسبا مع الطبيعة وخالق الطبيعة العليم بها ، ومدبر شؤونها ، والقيوم عليها ، أجدر بأن يشرِّع للحياة وينظمها ، ويقوم على تسيير هذا النظام .
والتشريع الموحى في الكتاب ( القرآن ) قديم قدم الإنسان ذاته وقدم حاجته إلى النظام ، وعلم الله هو الآخر قديم . لذلك كان كتاب الله الأخير مصدقا لكتبه الأولى . لأن المشكاة التي أضاءت الحياة بالقرآن ، هي التي أعطتهم الإنجيل والتوراة . فكل هذه الأنوار آتية من مصباح واحد .
[ 4 ] مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ
والقرآن والإنجيل والتوراة ، وكل رسالات السماء نور واحد يستهدف غاية واحدة هي توفير الهدى للناس . ولماذا الهدى ؟ لأن في الحياة خير وشر ، صحيح وسقيم ، صالح وطالح ، فكيف يميِّز الإنسان الخير عن الشر . أوَلَيس بمقياس ؟ وبميزان وبقيم وبالتالي بفرقان يفرق بين الحق والباطل ؟ ومن هنا أنزل الله الْفُرْقَانَ .
الذين يهتدون بالرسالات السماوية ويتمسكون بالفرقان ، يميزون به الحق من الباطل ، والخير من الشر ، فطوبى لهم ، أولئك لا خوف عليهم . أما الذين كفروا بآيات الله فماذا تنتظر لهم ، هل تنتظر كفاية الدرب وبلوغ الهدف ؟
كلا بل لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وأي عذاب أشد من الضلال ، ومن الانفلات في فوضى الحياة والوقوع في المهالك .
والله سبحانه لا يتركهم يعانون من عذاب شديد في الدنيا فحسب ، بل يقف لهم بالمرصاد ليأخذهم في الحياة الآخرة أيضا وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ ، وحين يكون العزيز القوي المقتدر ذُو انْتِقَامٍ فيا للمأساة ، ويا للنهاية المروعة .
والكتاب هدى وفرقان لسبب بسيط هو أن الله باعث الكتاب حي وقيوم ، فهو حي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء .
[ 5 ] إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وقيوم ، يهيمن على نظام الحياة
من هدى القرآن — صفحة 373
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣٧٣