الكفر بالرسالة الجديدة ، يجعله بلا دين حقيقي فيتظاهر بالتمسك ببعض القشور وترك حقائق الدين ، من هنا حذر الله بني إسرائيل وقال : * أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ في حين كان المفروض على هؤلاء - أصحاب الرسالة - أن يكونوا أكثر التزاما بالرسالة من غيرهم لأنهم يعرفون الرسالة وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ وهل يكفي قراءة الكتاب . . بالطبع لا ، إنما يجب التفكر فيه للاستفادة من جوهره ، وذلك هو العقل الذي ينبغي الوصول إليه أَفَلا تَعْقِلُونَ .
[ 45 ] كيف نحارب النفاق والتلون ؟ وكيف نقول بما نعمل ونعمل بما نقول ونتجاوز بالتالي المسافة بين الادعاء والواقع ؟
الجواب : بالإرادة القوية ، ولكن كيف نقوي الإرادة ؟ إن الإرادة بحاجة إلى تدريب حتى تقوى ، فهي كأي شيء في الإنسان تنمو كلما استثمرها الإنسان أكثر فأكثر . العضلات تشتد بالرياضة والأعصاب تقوى بمواجهة المشاكل ، والفكر ينمو باستخدامه ، وهكذا الإرادة تنمو كلما استفاد الإنسان منها ، جرب ذلك وصمم على القيام بعمل صعب ، إنك سوف تجد صعوبة في ممارسته أول مرة ، ولكن كلما قمت به أو قمت بأمثاله قلَّت صعوبته .
والصلاة أفضل استثمار للإرادة وبالتالي أفضل وسيلة لتنميتها إنك حين تصلي لله تقاوم الذاتية في نفسك وتحارب طبيعة التقوقع داخل زنزانة المصالح ، وبتعبير أوجز : تحارب الشيطان بكل جنوده .
وحين الصلاة تهجم عليك وساوس الشيطان لتبعدك عن الاتصال بالله فتراك تركز نظرك في الله والشيطان يصرفك إلى أي شيء آخر غير الله . إلى الدراسة ، إلى التجارة ، إلى مشاكل البيت و . . و . . ولا تزال في حالة حرب حتى تنتهي الصلاة ، ولهذا سُمِّي محل إقامة الصلاة ( محرابا ) لأنه فعلا موقع حرب .
وهكذا تكون الصلاة تجربة للإرادة وممارسة لها ، بالإضافة إلى أنها تقربك إلى الله رب كل شيء مما يُشيع في نفسك الثقة لمقاومة أسباب الضعف في الخوف والرغبة .
والصبر ومن مظاهره العملية الصيام ، وهو الآخر تجربة للإرادة ؛ فهو يدع الإنسان يتطلع للمستقبل ولا يفكر في حاضره فقط ، والصبر بما يمثل من تطلع إلى المستقبل بما فيه من ثقة بالله .
قوتان هائلتان يجب الاستعانة بهما وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ لمقاومة ضعفنا
من هدى القرآن — صفحة 179
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٧٩