تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 178

مساهمون:

ص١٧٨
[ 41 ] أصعب ما يتعرض له المؤمنون من امتحان هو مقاومة العادة . المؤمن متعود على طريقة معينة من السلوك ، استنادا إلى نصوص دينية جاءت في مرحلة معينة من مراحل الحياة ، ولكن تتبدل تلك المرحلة وتتبدل النصوص وفقا لذلك ، ولكن الفرد قد يظل أسير عاداته السابقة ، فعليه أن يبذل المزيد من الجهد حتى يقاوم عاداته السابقة ويلتزم بطاعة الله . من هنا أخذ الله عهدا قاطعا من جميع الأنبياء ، أن يصدقوا النبي الذي يأتيهم لاحقا ويتبعوه ، ولا تأخذهم في اتباعه أنفة أو عادة أو عزة بالآثم . حاشاهم . وفي هذه الآية يذكر الله بني إسرائيل بذلك ويقول : وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُمْ إذ ما دامت الرسالة واحدة والهدف ليس تحقيق مصالح ذاتية ، بل طموحات إنسانية عامة ، فلابد أن يسارع المؤمنون بالرسالات السابقة ، إلى الإيمان بالرسالة الجديدة ، وإلا فسوف يدفعهم التنافس إلى أن يكونوا أول كافر بهذه الرسالة ، سعيا وراء كسب شارع المتدينين ، وخوفا من فقدان قاعدتهم الإيمانية . كذا حذر الله بني إسرائيل قائلا : وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وبيَّن أن سبب الكفر المبكر بالرسالة قد يكون المصالح الذاتية فقال : وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلًا ، وقد يكون السبب الخوف من بعض أصحابهم من ذوي العقول المتحجرة لذلك قال الله لهم : وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ أي اجعلوا تقواكم وخوفكم فقط مني ومن عذابي وبطشي . [ 42 ] وبعد الكفر تبدأ سلسلة من عمليات التزوير والتحريف ، أولها خلط الحق بالباطل ، وكتمان جانب من الحق وإظهار جانب آخر ، بحيث يثبت حجة أهل الباطل . إن صاحب الرسالة يجب ألَّا يخدع الناس فيظهر لهم الجوانب التي تبرر سلوكياته . ويخفي عنهم الجوانب التي تدين تصرفاته . وهذا ما سوف يقع فيه من لا يسارع إلى اتباع الحق ، حيث حذر القرآن قائلا : وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ . [ 43 ] ولكيلا لا يفعل صاحب الرسالة هذه الجرائم ، عليه أن يتوكل على الله ، ويستعين به عن طريق الصلاة والإنفاق . ذلك لأن التنازل عن المصالح الشخصية والاستسلام المطلق للحق المتمثل في الرسالة الجديدة ليس سهلا أبدا ، بل هي بحاجة إلى ما يدعمها من الصلاة والزكاة . من هنا قال الله سبحانه : وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ وإذا كانت الصلاة لله فلماذا تختلف صلاة عن صلاة ، ومعبد عن معبد ليجتمع الكل في صف واحد . ليركعوا لله الواحد الأحد ، وليمنعوا عن رسالة الله كل مظاهر المادية المقيتة . [ 44 ] إذا لم يسارع المؤمن بالرسالات السابقة إلى الإيمان برسالة الله الجديدة ، فإنه يضطر إلى ممارسة الرياء والنفاق ، والتظاهر بالتدين والتنسك والعمل بالأهواء ، ذلك لأن