هدى من الآيات :
كان بنو إسرائيل أمة مؤمنة تشبه إلى حد بعيد الأمة الإسلامية وكان من الطبيعي أن يطرح القرآن الحكيم قضيتهم أمام المسلمين ، ليعتبروا بكل صغيرة وكبيرة منها . وعلى لغة : إياك أعني وأسمعي يا جارة ضمَّن القرآن نصائح قيِّمة للمسلمين من خلال حديثه عن بني إسرائيل ، وقد يصرح بتلك النصائح تصريحا .
وتبدأ هذه القصة ، التي تروي حياة بني إسرائيل ، بالتذكير بأهمية نعمة الهداية ، ذلك لأن الله سخر ما في الأرض للبشر ، وأعطى الإنسان الأدوات الكافية لاستغلالها ، ولكن المشكلة التي تكمن في الإنسان هي ( الضلالة ) الفكرية التي لا تدعه يستثمر طاقاته ليسخر الحياة بها ، ولذلك يعتبر إنقاذ الإنسان من ضلالته مفتاحا لاستخدام الحياة وتسخير طاقاتها في خدمته . لقد عاش الإنسان على الأرض دهرا طويلا ولكنه لم يتقدم عمليًّا نحو تسخير الحياة كما تقدم اليوم . لماذا ؟ لأنه لم يستثمر من قبل عقله وإرادته وقدرته .
ولكن يبقى السؤال لماذا لم يفعل ذلك ؟ والجواب : لأنه ( ضل ) وانشغل بالتوافه والجدليات الفارغة .
بينات من الآيات :
[ 40 ] إذن كان لابد من إنقاذ الإنسان من ضلاله قبل توجيه طاقاته إلى الحياة ، وهذا الإنقاذ هو أكبر نعمة لله عليه . من هنا قال الله لبني إسرائيل : يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ إنها نعمة الهدى التي تؤدي بالطبع إلى سائر نعم الحياة ، ولكن نعمة الهدى ومن ثم سائر النعم لا تبقى إلا بعد التمسك بها ، والوفاء بالتزاماتها . من هنا قال ربنا لبني إسرائيل : وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ أي تمسكوا بالهدى ، أعطيكم سائر النعم .
ولكن الإنسان قد يتنازل عن نعمة الهدى تحت طائلة الخوف من الطبيعة ، الخوف من الطواغيت ، الخشية من ضياع الشهوات وهكذا . .
ولكنه لا يعلم أن ابتعاده عن الهدى سوف يجره إلى مصاعب أكبر مما يخشى منه ، ولذلك يذكرهم القرآن بالقول : وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ لا تخشوا الطبيعة أو الناس أو الشهوات بل اخشوني وحدي ، وإذا زالت الخشية من الناس وتحرر الإنسان من الخوف ، زالت العقبة الأساسية التي تعترض طريق الإيمان ، ولكن تبقى عقبة العادة التي لابد من تجاوزها .
من هدى القرآن — صفحة 177
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٧٧