باء : لا رَيْبَ فِيهِ ، ولا يرقى إليه شك . حقيقي لأنه غير متناقض في ذاته ولا مع الإنسان ولا بالنسبة إلى هدى العقل .
جيم : هُدًى لِلْمُتَّقِينَ يهدي من يحب الهداية ويعمل من أجلها ، فالتقوى حذر بالقلب وعمل في الواقع ، ومن دون الحذر ( العامل النفسي الذي يبعث نحو إرادة الهداية ) ومن دون العمل من أجل الهداية ، لن تكون هداية . فجملة القول أن الهدى هو هدي الكتاب ، وإنما ينتفع به المتقون ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ثم يتحدث القرآن عن ثلاثة مواقف للناس اتجاه الكتاب الجديد : ( التقوى ، الكفر ، النفاق ) .
[ 3 ] من هم المتقون ؟ وما هي صفاتهم البارزة ؟ .
أهم تلك الصفات هي الإيمان بالغيب ، والذي يعني تجاوز الحقائق التي يشهدها الإنسان مباشرة للوصول إلى تلك التي لا يشهدها مباشرة . هذه المقدرة التي تجعلنا - نحن البشر - نحصل على ميزة العلم بالمستقبل ( الغيب ) عن طريق معرفة الحاضر ( الشهود ) والعلم بالماضي ( الغيب ) عن طريق مشاهدة آثاره على الحقائق الحاضرة ( الشهود ) . هذه الصفة تتعمق في المتقين إلى درجة الإيمان فهم يؤمنون بالمستقبل ولا يقفون عند معرفته فقط ، ويؤمنون بالماضي ولا يتوقفون عند العلم به فحسب ، وفرق كبير بين الإيمان والعلم . الإيمان هو التسليم النفسي والعقلي للعلم ، وتطبيقه على الحياة فعلا . وأعظم الغيب وأظهره هو الإيمان بالله الذي انتشرت آياته الظاهرة على كل أفق وفي كل شيء ، والإيمان به أصل الإيمان .
والإيمان بالغيب يتعمق بالصلاة التي تفتح خطّاً روحيًّا مباشرا بين الإنسان وبين الله ، وتصبح جسرا بين الحضور وبين الغيب . وتتجسد هذه الصلة في العطاء الشامل . فلا إيمان ولا صلة من دون تصديق ذلك بالعطاء والإنفاق . ولكن من أي شيء يتم العطاء . هل من أنفسنا نعطي شيئا لله ؟ كلا إنما نقتطع جزءاً صغيرا مما أنعم الله علينا فننفق منه . ولكل شيء عطاء مناسب له فالمال بصرفه ، والجاه ببذله ، والعلم بنشره وهكذا . من هنا كانت صفة المتقين أنهم : الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ .
[ 4 ] والإيمان الذي يتحلى به المتقون هو إيمان كامل لا يقتصر على بعض الحقائق فقط ، وينحسر عما يخالف الأهواء ، إنما هؤلاء يؤمنون بما انزل إلى الرسول من كتاب وبما انزل على الرسل من قبل رسول الله محمد صلى الله عليه وآله لا يفرقون بينهم . وإيمانهم بالآخرة إيمان راسخ يصل إلى مستوى اليقين ، فإذا بهم مطهرون من أي شك في يوم الجزاء . بذلك تتكامل عقائد المتقين ، الإيمان بالله ( الغيب ) وما يدعم هذا الإيمان من الصلاة والزكاة ثم الإيمان بالرسالات ثم الإيمان
من هدى القرآن — صفحة 158
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٥٨