تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 160

مساهمون:

ص١٦٠
في العبادات ( ككثرة الصلاة رياء ) هم يريدون خداع الله والمؤمنين بينما الحقيقة أنهم يخادعون أنفسهم ؛ لأنهم يبدؤون بتصور أنهم استطاعوا أن يضمنوا الدين الحقيقي مع عدم خسرانهم للدنيا ولشهواتها ؛ وذلك لأنهم يبدأون بزعم أن أعمالهم ( القشرية ) هي الدين ، فيفرغون الدين من معانيه ويكوِّنون له معنى جديدا فيمنعون عن أنفسهم الفوائد الكبيرة التي يعطيها الدين الحقيقي لو أنهم التزموا به . لهذا يقول الله : يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ، ثم يفصل الله القول في الخداع الذاتي الذي يمارسه المنافقون بلاوعي منهم ويقول : [ 10 ] أولًا : إنهم يكرسون - بعملية النفاق - مرض الجبن والهزيمة ، واللإارادة في أنفسهم . كل ابن آدم مبتلى في قلبه بهذه الأمراض ، ولكن المنافق يكرسها حتى يبني حياته كلها على هذه الشاكلة . فهو يعيش شخصيتين داخله وظاهره ، وبينهما تضيع إرادته وقدرته على التحقق والمبادرة فكيف إذا صبغت حياته كلها بالكذب فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ من الجبن والاستسلام و . . فَزَادَهُمْ اللَّهُ مَرَضاً بتكريس تلك الأمراض ، ثم إن هؤلاء لا يمكنهم أن يعيشوا مطمئنين لأنهم يعيشون الخوف والقلق وخشية الافتضاح ، وهذا يسبب لهم عذابا أليما ، يأتيهم بسبب الكذب الذي صبغت به حياتهم كلها . إن الواحد قد يكذب كذبة واحدة فيعيش في القلق الدائم خوف اكتشاف كذبته ، ويفكر أبدا في طرق إخفاء الكذب وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ . [ 11 ] ثانياً : تختلط عندهم مقاييسهم العقلية ( بسبب مضايقتهم لهدى الله وبسب توتر شخصيتهم ) ولذلك يتوغلون في الفساد ويزعمون أنه الصلاح بذاته . ولأنهم يعيشون العزلة نفسيًّا عن المجتمع من حولهم فهم لا يستطيعون أن يستفيدوا من نصائح الآخرين ، أو تتكامل أفكارهم عن طريق التفاعل مع أفكار الآخرين . لذلك قال ربنا سبحانه : وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ . [ 12 ] بينما الحقيقة غير ذلك . إن هؤلاء أصبحوا أعضاء فاسدين في المجتمع ، ولكنهم فقدوا المقياس الذي عن طريقه يستطيع المرء اكتشاف الفساد من غيره فهم لا يشعرون أَلا إِنَّهُمْ هُمْ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ . وعبَّر القرآن ب - ( الشعور ) ولم يعبِّر ب - ( العقل ) فلم يقل ( ولكن لا يعقلون ) لكي يكشف لنا بأن القضايا البسيطة التي لا تحتاج إلى التفكير والتعقل ( كالتمييز بين الفساد والصلاح ) لم يعد يفهمها المنافق ، فكيف بالقضايا المعقدة . إن الشرط الأول للعلم بأية حقيقة هو الثقة بالذات وبالمقاييس العقلية التي يملكها