المكلّفين ؛ لأنّ معرفة الأعلم وتشخيصه على فرض تشخيص معناه صعب جدّاً ، فلو وجب تقليد الأعلم لوجب على كلِّ الشيعة تقليد واحد من الفقهاء ، وهو أمر صعب جدّاً ، كما هو واضح « 1 » .
5 - الأصل :
وتقريره هو : أنّ المكلّف يدور أمره بين أن يقلِّد الأعلم على وجه التعيين ، أو يكون مخيّراً بين تقليد الأعلم وغيره . ولمّا كان تعيّن تقليد الأعلم يحتاج إلى قيد ومؤونة زائدة ، فهو منفيٌّ بالأصل ، وهو إمّا أصالة البراءة عن وجوب القيد الزائد وهو تعيين الأعلم ، أو أصالة عدم وجوب القيد الزائد بعد ثبوت أصل تقليد العالم ، المشترك بين الأعلم وغيره « 2 » .
وهذا الدليل ، إنّما يصار إليه بعد فقد الأدلّة الاجتهاديّة وهي اللّفظيّة ؛ لأنّ رتبة الأصل إنّما تكون بعدها ، فإنّه دليل حيث لا دليل ، وبعد وجود الدليل الاجتهادي لا مجال للأصل .
هذا وقد نوقشت هذه الأدلّة بأجمعها ، ولا مجال لذكر النقاشات ، وإنّما نكتفي بذكر النقد الذي أوردوه على الدليل الأخير .
نقد الدليل الأخير :
ذكروا في نقد دلالة الأصل على التخيير بأنّ الأصل هنا إنّما يتصوّر على أنحاء ؛ لأنّ دوران الأمر بين التعيين والتخيير يكون على أنحاء ، وهي :
1 - التخيير في الحكم الشرعيّ ، مثل التخيير في خصال الكفّارة ، وهي : عتق رقبة ، أو صوم ستّين يوماً ، أو إطعام ستّين مسكيناً .
وهذا التخيير وارد في لسان الدليل الشرعيّ .
2 - التخيير العقلي عند دوران الأمر بين المحذورين ، كما إذا ورد دليل يدلّ على وجوب شيءٍ ، ودليل آخر يدلّ على تحريمه .
3 - التخيير العقلي بين أفراد الطبيعة ، كتخيير العقلِ المكلَّفَ بأن يصلّي في البيت أو المسجد ، وفي هذه الساعة أو ساعة أُخرى مع سعة الوقت ، وبعبارةٍ أُخرى هو التخيير في تطبيق الكلّي على أفراده .
4 - التخيير العقلي الحادث بسبب التزاحم بين التكليفين الإلزاميّين مع عدم وجود المرجّح - المصلحة الملزمة - في واحدٍ منهما .
وما نحن فيه ، وهو التخيير بين تقليد الأعلم وغيره ، إنّما هو من القسم الثاني أو الرابع ، والبراءة وإن كانت تجري في المورد الأوّل والثالث عند الشكّ « 3 » ، إلّاأ نّها لا تجري في الثاني والرابع وتوضيح ذلك :
هامش
( 1 ) أُنظر : مطارح الأنظار 2 : 535 ، والتنقيح ( الاجتهاد والتقليد ) : 139 .
( 2 ) أُنظر : مطارح الأنظار 2 : 535 ، والتنقيح ( الاجتهاد والتقليد ) : 148 .
( 3 ) كما لو شكّ في تعيّن الصوم عليه في خصال الكفّارة ، أو شكّ في تعيّن الصلاة في المسجد وفي أوّل الوقت ، فهنا تجري البراءة عن وجوب المعيّن .