وبناءً على ذلك كلّه فكلّما علمنا بالتعبّديّة - ولو عن طريق الأمر الضمني - أو التوصّلية ، فذاك ، وأمّا لو لم نعلم ، فإطلاق الواجب يدلّ على كونه توصّلياً .
هل هناك طريق آخر لإحراز التوصّلية ؟
ذكرت بعض المحاولات لإمكان إحراز التوصّلية نشير إلى واحد منها :
وهو ما ألمح به الشيخ الأنصاري بإشارة مختصرة ، وشيّده النائيني وارتضاه غيره من الأُصوليين .
وأمّا عبارة الشيخ التي يمكن الاستظهار منها ذلك ، فهي كما في المطارح :
« ولا يذهب عليك أنّ ما ذكرنا من احتياج التعبّد إلى بيانٍ زائد ، غير ما دلّ على الطلب ، لا يلازم أن يكون للفعل ثوابان : أحدهما لنفس الفعل ، وثانيهما للامتثال ، لتعدّد الأمر الملحوظ فيهما . . . ؛ لما عرفت من أنّ المقصود حقيقة واحدة ، فلا يعقل تعدّد الثواب والعقاب » « 1 » .
والشيخ وإن كان بصدد دفع توهّم تعدّد الثواب والعقاب ، بعد فرض وجود أمرين طوليّين ، إلّا أنّه استفيد من كلامه تصحيح عباديّة العبادة بهذين الأمرين ، وتوضيحه :
أنّا لو فرضنا أنّ غرض الشارع قائم بالصلاة المأتي بها بداعي أمرها ، فإذا قلنا بامتناع تقييد المأمور به بإتيانه بقصد امتثال أمره ، فلابدّ للآمر من أن يأمر أوّلًا بالصلاة ، ثمّ يأمر ثانياً بإتيانها بداعي أمرها الأوّل . وهذان الأمران يكونان في حكم أمر واحد ، لأنّهما ناشئان من غرض واحد ، والثاني يكون بياناً للأوّل ، ولذلك لو لم يمتثل الأمر الثاني لم يسقط الأمر الأوّل بإتيان الصلاة مجرّدة عن قصد امتثاله « 2 » .
ولذلك سمّى النائيني هذا الأمر الثاني ب « متمم الجعل » « 3 » أي هو متمّم للجعل - الأمر - الأوّل ، وليس جعلًا مستقلًّا .
وبناءً على ذلك ، فلو كان الآمر في مقام البيان ، وأمر بفعل ولم يأمر ثانياً بإتيان الفعل بقصد امتثال الأمر الأوّل ، نستكشف منه أنّه لم يطلب الفعل مقروناً بقصد امتثال الأمر ؛ لحصول غرضه بامتثال الأمر الأوّل فحسب كيفما اتّفق ، وهذا معنى التوصّلية « 4 » .
وهذا ما يسمّى بالإطلاق المقامي « 5 » .
وارتضىهذا الطريق جملةممّنتأخّر عنه « 6 » .
هامش
( 1 ) مطارح الأنظار 1 : 305 .
( 2 ) أُنظر : فوائد الأُصول ( 1 - 2 ) : 161 - 162 ، وأُصول الفقه 1 : 70 - 71 .
( 3 ) أُنظر فوائد الأُصول ( 1 - 2 ) : 162 .
( 4 ) أُنظر أُصول الفقه 1 : 71 .
( 5 ) أُنظر أُصول الفقه 1 : 71 .
( 6 ) كالمحقق العراقي في نهاية الأفكار ( 1 - 2 ) : 193 - 194 ، والمحقق الإصفهاني في نهاية الدراية 1 : 334 - 335 ، والسيد الخوئي في المحاضرات 2 : 186 - 187 ، والإمام الخميني في مناهج الوصول 1 : 269 .