الغيوب : « إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِن طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلَّا إِبْلِيسَ . . . » « 1 » اعترضته الحميّة فافتخر على آدم بخلقه ، وتعصّب عليه لأصله ، فعدوّا اللَّه إمام المتعصّبين ، وسلف المستكبرين الذي وضع أساس العصبيّة ، ونازع اللَّه رداء الجبريّة ، وادّرع لباس التعزّز ، وخلع قناع التذلّل . . . » .
ثمّ حذّر الناس من اتباع الشيطان وأن يتعصّبوا كما تعصّب فيصيبهم ما أصابه ، إلى أن قال :
« ألا فالحَذَرَ الحذَرَ من طاعة ساداتكم وكبرائكم الذين تكبّروا عن حسبهم ، وترفّعوا فوق نسبهم ، وألقوا الهجينة على ربهم ، وجاحدوا اللَّه على ما صنع بهم ، مكابرة لقضائه ، ومغالبة لآلائه ، فإنّهم قواعد أساس العصبيّة ، ودعائم أركان الفتنة . . . » .
إلى أن قال عليه السلام :
« وأمّا الأغنياء من مُترَفَةِ الأُمم ، فتعصّبوا لآثار مواقع النِّعم ، فقالوا : « نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَاداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ » « 2 » ، فإن كان لابدّ من العصبيّة ، فليكن تعصّبكم لمكارم الخصال ، ومحامد الأفعال ، ومحاسن الأُمور ، التي تفاضلت فيها المُجَداء والنُّجَداء ، من بيوتات العرب ، ويعاسيب القبائل ، بالأخلاق الرغيبة ، والأحلام العظيمة ، والأخطار الجليلة ، والآثار المحمودة ، فَتَعصَّبوا لخلال الحمد من الحفظ للجوار ، والوفاء بالذِّمام ، والطاعة لِلبرِّ ، والمعصية لِلكِبر ، والأخذ بالفضل ، والكفّ عن البغي ، والإعظام للقتل ، والإنصاف للخلق ، والكظم للغيظ ، واجتناب الفساد في الأرض ، واحذروا ما نزل بالأُمم قبلكم من المَثُلات بسوء الأفعال ، وذميم الأعمال ، فتذكّروا في الخير والشرّ أحوالهم ، واحذروا أن تكونوا أمثالهم » « 3 » .
آثار التعصّب :
تترتّب على التعصّب بعض الآثار نشير إليها إجمالًا ، وهي :
1 - ردّ الشهادة :
إذا قلنا بحرمة العصبيّة وأ نّها من الكبائر ، فتردّ شهادة مرتكبه ؛ لأنّه يخرج عن العدالة بذلك .
قال الشيخ الطوسي : « إذا أحبّ الرجل قومه وعشيرته فهو من المندوبات إليها والمرغوب فيها ، لقوله عليه السلام : " تهادوا تحابّوا " « 4 » ، فأمر بذلك ، وقال عليه السلام :
" لاتحاسدوا ولا تدابروا ولا تقاطعوا ، وكونوا عباد اللَّه إخواناً " « 5 » .
هامش
( 1 ) سورة ص : 71 - 74 .
( 2 ) سبأ : 35 .
( 3 ) نهج البلاغة : 285 - 296 ، الخطبة 192 ، وهي المسمّاة بالقاصعة .
( 4 ) الوسائل 17 : 286 ، الباب 88 من أبواب ما يكتسببه ، الحديث 5 .
( 5 ) مسند أبي يعلي الموصلي 6 : 252 ، الرقم 3549 .