ذكرنا الروايتين بطولهما لما فيهما من الفوائد الجمّة .
ثانياً - الحكم الوضعي للتطفيف :
لم يذكر أغلب الفقهاء الحكم الوضعي للتطفيف ، نعم تعرّض له الشيخ الأنصاري باختصار في ما إذا كان العوضان ربويّين ، وعلّق عليه بعض المحشّين على كلامه .
والصور التي ذكرها السيّد الخوئي في المسألة هي كالآتي :
الأُولى - أن يوجر نفسه على التطفيف ، بأن يجعل التطفيف مورداً للإجارة . ولا إشكال في بطلان الإجارة عندئدٍ ، وحرمتها تكليفاً « 1 » .
ولكن للإيرواني وجه لعدم البطلان ، بناءً على ما ذهب إليه : من أنّ التطفيف ليس محرّماً بعنوانه كي يحرم أخذ الأُجرة عليه ، بل إنّما هو محرّم من باب عدم الوفاء بالحقّ وأ نّه أكلٌ للمال بالباطل « 2 » .
الثانية - أن يطفّف فيما يبيعه هو من ماله ، فلا إشكال هنا في حرمة فعله تكليفاً ، ولكن هل تبطل المعاملة وضعاً أيضاً ، أم لا ؟
فهنا تارةً يكون المبيعكلّياً ، وأُخرى شخصيّاً .
والكلّي تارةً يكون كلّياً في الذمّة ، وأُخرى كلّياً في المعيّن الخارجي .
1 - أن يكون المبيع كلّياً في الذمّة ، بأن يبيع له طُنّاً من الحنطة في الذمّة ، ولكن يحوّل له تسعمئة وخمسين كيلواً منها .
فالمعاملة هنا صحيحة ، لأنَّها وقعت على كلّي الحنطة ، وإنّما نقص البائع - عند الدفع - عن المبيع ، فتكون ذمّته مشغولة بالمقدار الناقص .
2 - أن يكون المبيع كلّياً في المعيّن ، بأن يبيع له مئة كيلو من الحنطة الموجودة هنا ، والتي تبلغُ طنّاً أو أكثر ، لكنّه يدفع أقلّ من مئة كيلو .
فالمعاملة هنا صحيحة أيضاً ، للسبب المتقدّم .
ولا فرق في الموردين بين المعاملة الربويّة وغيرها .
3 - أن يكون المبيع شخصيّاً ، والصور المتصوّرة هنا ثلاث ، وهي :
أ - أن يقول : بعتك هذه الحنطة على أن تكون طُنّاً ، فيكون الإنشاء معلَّقاً على كون الحنطة طُنّاً ، ولكن عند الدفع يدفع أقلّ من ذلك .
قال السيّد الخوئي : إنّ البيع في هذه الصورة باطل من باب التعليق في إنشائه ، لا من باب التطفيف .
ب - أن ينشئ البيع منجّزاً على المتاع الموجود خارجاً بعنوان أنَّه كذا مقدار ، بحيث يكون المقدار داعياً للشراء بتلك القيمة ، ولكن يطفّف منه عند البيع .
هامش
( 1 ) أُنظر مصباح الفقاهة 1 : 244 .
( 2 ) أُنظر الحاشية على المكاسب ( للإيرواني ) 1 : 138 .