2 - مقام الامتثال :
وهو أن يتوجّه خطابان - تكليفان - إلى المكلّف في زمان واحد ، من دون أن يكون قادرا على امتثالهما معا في زمان واحد ، بل يتوقّف امتثال أحدهما على عصيان الآخر .
ومثاله - كما تقدّم - أن يشاهد المكلّف شخصا في حالة الغرق ، فيتوجّه له - عندئذ - خطاب « أنقذ الغريق » .
وإذا كان الإنقاذ - في هذا المورد بالخصوص - متوقّفا على التصرف في ملك الغير من دون إذنه ، فيتوجّه إليه خطاب آخر ، وهو : « لا تتصرّف في ملك الغير من دون إذنه » ، فيقع التزاحم بين هذين الخطابين : خطاب الأمر بالإنقاذ ، وخطاب النهي عن التصرّف في ملك الغير .
والذي يقع مورد البحث عند الأصوليين هو القسم الثاني ، أي التزاحم في مقام الامتثال ، لا الأوّل ، وهو التزاحم في مقام الملاكات ، لأنّ الأوّل يرتبط علاجه بالمشرّع ، وليس للمكلّف فيه دور ، كما تقدّم ، وإنّما يقوم المكلّف بامتثال ما رجّحه المشرّع في عالم الملاكات .
بخلاف الأخير ، فإنّ المكلّف هو الذي يرجّح - بحسب ما لديه من القواعد - أحد المتزاحمين ويعمل طبقه « 1 » .
الفرق بين التزاحم والتعارض :
فرّق الأصوليون المتاخّرون « 1 » بين التزاحم والتعارض بما حاصله :
أنّ التزاحم - كما مرّ - هو التنافي بين الخطابين من جهة عدم قدرة المكلّف على الجمع بينهما في مقام الامتثال وقد تقدّم توضيحه .
وأمّا التعارض ، فهو أن يرد خطابان متنافيان من حيث المدلول - كلّا ، أو بعضا - بحيث يكون مدلول كلّ منهما نافيا لمدلول الآخر .
والحاصل : أنّ التعارض بين الخبرين يرجع إلى التكاذب بينهما .
ومثاله :
1 - كما إذا ورد خبر دالّ على طهارة أبوال البغال ، وخبر آخر دال على نجاستها . فهنا يقع التنافي والتكاذب بين مدلوليهما كلّا .
2 - أو إذا ورد خبر دالّ على طهارة أبوال الطيور على نحو العموم ، وخبر آخر دالّ على نجاسة أبوال ما لا يؤكل لحمه على نحو العموم ، سواء كان من البهائم أو الطيور ، فهنا يقع التنافي والتكاذب في محل الاجتماع من هذين العمومين ، وهو أبوال ما لا يؤكل لحمه من الطيور ، فالخبر الأوّل يدلّ على طهارتها ، والثاني على نجاستها ،
هامش
( 1 ) انظر موسوعة الإمام الخوئي ( مصباح الأصول 3 ) 48 : 426 - 428 .
1 يظهر من كلام السيّد الخوئي أنّ المحقّق النائيني هو الذي أوضح الفرق بين المسألتين : التعارض والتزاحم .
انظر التنقيح ( الطهارة ) 2 : 405 .