عزمه على إتيان ما قطع بكونه مأمورا به .
وأمّا نفس الفعل المتجرّى به ، فلا يتّصف بالقبح ، كما لا يتّصف الفعل المنقاد به بالحسن ، فإنّ القطع لا يغيّر الواقع عمّا هو عليه من الحسن أو القبح ، فالحسن صفة للمأمور به الواقعي لا ما قطع بكونه مأمورا به ، والقبح صفة للمنهي عنه الواقعي ، لا ما قطع بكونه منهيّا عنه .
كما لا يتّصف الفعل المتجرّى به بالحرمة ، ولا الفعل المنقاد به بالوجوب ؛ لأنّ القطع بحرمة فعل لا يصيّره حراما واقعا إذا لم يكن كذلك ، كما لا يجعل القطع بالوجوب الفعل متّصفا بالوجوب واقعا ، إذا لم يكن كذلك .
وبعبارة موجزة : إنّ القطع ليس من العناوين المغيّرة لحسن الأشياء وقبحها ، ولا لحكمها ، مع فرض كونه طريقيا محضا لا موضوعيّا .
ثمّ إنّ الكلام عن المسألة بالمنظار الأوّل - وهو استحقاق الفاعل للعقاب - يكون كلاميّا .
وبالمنظار الثاني - وهو اتّصاف نفس الفعل المتجرّى به بالقبح - يكون أصوليّا عقليّا .
وبالمنظار الثالث - وهو اتّصاف الفعل نفسه بالحرمة - يكون فقهيّا .
وإلى ذلك كلّه أشار في حاشيته على الفرائد « 1 » .
وقال في الكفاية : « وبالجملة ما دامت فيه صفة كامنة لا يستحقّ بها إلّا مدحا أو لوما ، وإنّما يستحقّ الجزاء بالمثوبة أو العقوبة مضافا إلى أحدهما ، إذا صار بصدد الجري على طبقها والعمل على وفقها وجزم وعزم » « 1 » .
وإنّما اشترط العزم ؛ لعدم حسن العقوبة بمجرّد سوء السريرة من دون الجزم والعزم على الفعل .
والحاصل : أنّه يرى أنّ الفاعل يتّصف بالقبح الفاعلي ويستحقّ العقاب ؛ لعزمه على إتيان ما قطع بحرمته ، وأما الفعل فلا يتّصف بالقبح الفعلي ، ولا بالحرمة الشرعيّة .
نظريّة المحقّق النائيني :
وقد أطال البحث في التجرّي وجعل البحث في أربع جهات :
الجهة الأولى - هل خطابات الأحكام الأوّلية تعمّ صورتي المصادفة للواقع وعدمها ، أم لا ؟
بمعنى أنّ النهي في مثل « لا تشرب الخمر » يختصّ بشرب الخمر الواقعي ، أو يعمّ شرب ما قطع بكونه خمرا ، وإن لم يكن خمرا واقعا ؟
فعلى الأوّل لا يشمل الخطاب موارد
هامش
( 1 ) درر الفوائد : 37 - 38 .
1 الكفاية : 259 - 260 .