التجرّي ؛ لاختصاص النهي بشرب الخمر الواقعي .
وأمّا على الثاني فيشملها ؛ لأنّ النهي شامل لموارد شرب الخمر الواقعي ، وموارد شرب ما قطع بكونه خمرا ، وإن لم يكن خمرا واقعا .
واختيار المبنى الثاني يتوقّف على أمرين :
الأوّل - دعوى كون متعلّق التكليف إنّما هو الانبعاث ، أي تحرّك الإرادة نحو ما علم كونه خمرا مثلا .
الثاني - دعوى أنّ العلم مأخوذ على نحو الصفتية بمعنى الإرادة ، وإن كان طريقا بالنسبة إلى الموضوع .
ثم ناقش هذين الأمرين :
أمّا الأوّل ؛ فلأنّ متعلّق التكليف إنّما هو الفعل - أي شرب الخمر الواقعي - الصادر عن إرادة واختيار ، وليس المتعلّق هو إرادة شرب الخمر ، والمتجرّي لم يصدر منه شرب خمر واقعي عن إرادة ، بل إنّما صدر منه إرادة شرب الخمر ، وهو لم يكن متعلّقا للتكليف .
أمّا الثاني ، فلأنّ الإرادة وإن كانت تنبعث عن العلم ، لكن لا بما أنّه علم وصورة حاصلة في النفس ، بل بما أنّه محرز للمعلوم « 1 » ، فالعلم يكون بالنسبة إلى كلّ من الإرادة والخمر طريقا ، بل العلم يكون في باب الإرادة من مقدّمات وجود الداعي ، حيث تتعلّق الإرادة بفعل شيء بداعي أنّه الشيء الكذائي ، وهذا الداعي ينشأ عن العلم بأنّه الشيء الكذائي « 1 » .
الجهة الثانية - هل العلم بشيء من العناوين المغيّرة لحسنه وقبحه ؟
تكلّم في هذه الجهة عن أنّ العلم بشيء هل يوجب تغير عنوانه من الحسن إلى القبح أو بالعكس ، أم لا ؟
فالقطع بكون مائع خمرا مثلا ، هل يجعل شربه قبيحا مع كونه ماء في الواقع ؟
أو هل يجعل ترك شربه حسنا مع كونه ماء في الواقع ، أم لا ؟
فأجاب عن ذلك بالنفي ، لأنّ ذلك ليس من قبيل النفع والضرر العارضين على الصدق والكذب ، حتى تتغير جهة الحسن والقبح فيهما ، فيصبح الكذب للإصلاح حسنا ، والصدق لبثّ الخلاف قبيحا .
فالعلم بخمريّة الماء لا يصيّر شربه قبيحا بعد أن لم يكن كذلك واقعا .
هامش
( 1 ) العبارة في التقريرات لا تخلو من تشويش ، ولذلك علّق العراقي عليها بقوله : « الأولى أن يقال : مع فرض دخل الخمر بعنوانه الواقعي في التكليف لا يعقل تعلّقه بمعلوم الخمريّة مطلقا ، فضلا عن شمول إطلاقه للعلم المخالف » . فوائد الأصول 3 : 40 .
1 انظر فوائد الأصول 3 : 37 - 41 .