نعم ، لا بأس بدعوى القبح الفاعلي ، بأن يكون صدور هذا الفعل عن هذا الفاعل قبيحا وإن لم يكن نفس الفعل قبيحا ، ولا ملازمة بين القبح الفاعلي والقبح الفعلي ، إذ ربّما يكون الفعل قبيحا لكن صدوره من الفاعل حسنا ، كما في صورة الانقياد ، والعكس بالعكس .
وبعد ذلك يأتي دور البحث عن أنّ القبح الفاعلي هل يصلح لأن يكون ملاكا لتعلّق خطاب شرعي بالفعل الصادر عن الفاعل قبيحا ، أو لا ؟
ثمّ جعل البحث فيه من ناحيتين :
الأولى - من ناحية شمول الخطابات الأوّليّة للحسن الفاعلي والقبح الفاعلي ، بمعنى أنّ « لا تشرب الخمر » يشمل بإطلاقه الحسن الفاعلي في موارد الإطاعة والانقياد ، بترك شرب الخمر الواقعي ، ومعلوم الخمريّة الذي لم يكن خمرا واقعا .
وقبحه في موارد العصيان والتجرّي ، بشرب الخمر الواقعي ، ومعلوم الخمريّة الذي لم يكن خمرا واقعا .
والتحقيق : أنّ الخطابات الأوّليّة لا تشمل الحسن والقبح الفاعليّين ؛ لأنّهما في رتبة متأخّرة عن نفس الخطاب الأوّلي ، فبعد تعلّق الخطاب بفعل شيء أو تركه ، يتحقّق الحسن الفاعلي بالامتثال أو الانقياد ، والقبح الفاعلي بالتجرّي والعصيان .
الثانية - هل يصحّ اختصاص القبح الفاعلي بخطاب يخصّه غير الخطابات الأوليّة ؟
والجواب : لا يصحّ ذلك ؛ لأنّ موضوع الخطاب يكون عندئذ عنوان « المتجرّي » أو « العالم المخالف علمه للواقع » ، ونحو ذلك ، وخطاب المكلّف بهذا الخطاب يقلبه عن كونه متجرّيا ؛ لأنّ التفاته إلى كونه متجرّيا يخرجه عن كونه متجرّيا ، لأنّه يلتفت إلى عدم مطابقة علمه مع الواقع الذي هو عنصر أساسي لتحقّق التجرّي .
إذن توجّه الخطاب إلى المكلّف على وجه يختصّ بالقبح الفاعلي فقط غير ممكن « 1 » .
الجهة الثالثة - هل يستقلّ العقل باستحقاق المتجرّي للعقاب ؟
توصّل في هذه الجهة إلى عدم استقلال العقل باستحقاق المتجرّي للعقاب بالبيان التالي :
إنّ استقلال العقل بذلك يتوقّف على وحدة مناط استحقاق العقاب في العاصي والمتجرّي ، ببيان :
أنّ العقل لا يستقلّ بشيء إلّا بعد العلم به والالتفات إليه ، فالعلم في المستقلّات العقليّة - خصوصا في باب الطاعة والمعصية - هو تمام
هامش
( 1 ) انظر فوائد الأصول 3 : 41 - 46 .