حكم التربّع من دون تفسير له . ويبدو أنّ أوّل من فسّره المحقّق الثاني حيث قال : « والمراد بالتربّع هنا : أن ينصب فخذيه وساقيه ، وهو أقرب إلى حال القيام من غيره من أنواع الجلوس ، باعتبار نصب المذكورات » « 1 » .
وقال الشهيد الثاني : « الأفضل أن يتربّع قارئا ، بأن يجلس على ألييه ، وينصب ساقيه وفخذيه . . . » « 2 » .
وهذه الجلسة هي المعروفة ب « القرفصاء » ، كما سيأتي .
أجل ، اشتهر هذا التفسير عند الفقهاء المتأخّرين عنهما .
ويشهد لما ذكرناه : أنّ صاحب مفتاح الكرامة قال : « وأما التربّع ففي جامع المقاصد ، وفوائد الشرائع و . . . » « 3 » ثمّ ذكر عدّة كتب ونسب إليها التفسير المتقدّم ، ولم ينسبه إلى من تقدّم على المحقّق الثاني .
ومع ذلك ، فقد نسب التفسير المتقدّم إلى المشهور « 4 » وإلى الأصحاب ، قال صاحب كشف اللثام - بعد أن نقل المعنى الذي ذكرناه أوّلا عن الثعالبي - : « وذكر الأصحاب أنّ المراد هنا نصب الفخذين والساقين ، وهو القرفصاء ، وهو الذي ينبغي فضله ؛ لقربه من القيام ، ولا يأباه مادّة اللفظ ولا صورته ، وإن لم أظفر له بنصّ من أهل اللغة » « 1 » .
واستمر في كلمات المتأخّرين عنه ، هذا التعليل والاعتراف بعدم وجود ما يدلّ على هذا التفسير في كتب اللغة .
بل أسقط بعضهم كلمة « التربّع » وجعل بدله « القرفصاء » « 2 » .
لكن قال صاحب المدارك - مشيرا إلى سنيّة تربّع المصلّي قاعدا - : « هذا قول علمائنا وأكثر العامّة » « 3 » ، فهو وإن لم يفسّر التربّع ، إلّا أنّ إسناد مسنونيّة التربّع إلى علمائنا وأكثر العامّة يشعر باشتراك معنى التربّع عند الطائفتين ، ومن المعلوم أنّ المعروف عند أهل السنّة هو المعنى الأوّل الذي ذكرناه عن الثعالبي ومجمع البحرين .
وقال كاشف الغطاء : « الأفضل للجالس العاجز جلوس القرفصاء إن لم نوجبه ؛ لأنّه أقرب إلى هيئة القيام بوضع الإليتين والقدمين على الأرض مثلا ، ونصب الفخذين والساقين » ، ثمّ قال :
« وبعدها التربّع ، وهو جمع القدمين ، ووضع إحداهما على الأخرى » « 4 » .
هامش
( 1 ) جامع المقاصد 2 : 206 .
( 2 ) روض الجنان 2 : 669 .
( 3 ) مفتاح الكرامة 2 : 310 .
( 4 ) انظر مجمع الفائدة 2 : 192 .
1 كشف اللثام 3 : 402 .
2 انظر العروة الوثقى 2 : 492 ، فصل في القيام ، المسألة 31 .
3 المدارك 3 : 334 ، وتقدّمه العلّامة في المنتهى 4 : 34 ، و 5 : 14 - 15 .
4 كشف الغطاء 3 : 175 .