ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ . فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَداً فَلا تَدْخُلُوها حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكى لَكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ . لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيها مَتاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ
« 1 » .
هذه الآيات بصدد بيان حكم أخلاقي اجتماعي تبتنى عليه صيانة الأسرة وسلامة المجتمع الإنساني ، وهو وجوب الاستئذان عند دخول البيوت ، فإنّ البيت - كما تقدّم - مأوى الإنسان ومحلّ راحته ، وعند دخوله فيه يتخفّف من بعض القيود التي كان ينبغي أن يراعيها خارج البيت ، فيقلّل من ألبسته وأرديته ، ويعاشر نساءه ، ونحو ذلك ممّا كان يتحاشى عن فعله خارج البيت ، وينبغي للآخرين مراعاة هذا الحريم للبيت وعدم الولوج فيه من دون استئذان من صاحبه ، كما كان يفعله أهل الجاهليّة - كما قيل - حيث كانوا يقولون عند دخول البيوت :
« حيّيتم صباحا » ، و « حيّيتم مساء » ، ثمّ يدخلون ، فربّما أصاب الداخل الرجل مع امرأته في لحاف واحد ، فصدّ الله تعالى عن ذلك ، وعلّم الأحسن والأجمل « 2 » .
وظاهر هذه الآيات يدلّ على عدّة أحكام « 1 » ، وهي :
1 - لزوم الاستئناس عند الدخول في البيوت ، والاستئناس هو : طلب الأنس بالعلم أو غيره ، كقول العرب : اذهب فاستأنس هل ترى أحدا ؟ ومنه قوله تعالى :
فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً . . .
« 2 » أي علمتم « 3 » .
2 - التسليم بعد حصول الاستئناس ، إذا قلنا :
إنّ التسليم غير الاستئناس ، وإلّا - كما عليه بعض وتشير إليه بعض الروايات - فيكونان حكما واحدا ، ويكون الاستئناس حاصلا بالسلام .
3 - وإذا لم يحصل الاستئناس ، فلا يجوز الدخول في البيوت حتى يحصل الإذن من أهلها .
4 - وإذا لم يحصل الإذن - سواء كان بعدم صدوره أصلا ، أو بصدور عدمه - فعلى المستأذن عدم الدخول ، والرجوع .
5 - ثمّ رخّص تعالى الدخول في الأمكنة العامّة التي ليست هي محلّا للسّكن بلا إذن ، كالحمّامات ، والخانات ، والأرحية ، ونحوها ؛ لعدم ترتّب الفساد فيها على الدخول بلا إذن ؛ إذ هي
هامش
( 1 ) النور : 27 - 29 .
( 2 ) انظر التفسير الكبير 23 : 197 .
1 قال الحرّ العاملي في عنوان الباب الذي ذكر فيه جملة من الروايات الدالّة على لزوم الاستئذان ، والتسليم :
« باب عدم جواز دخول بيت الغير من غير إذن ، ولا إشعار ، ولا تسليم ، واستحباب تسليم الإنسان على نفسه إن لم يكن في البيت أحد » . الوسائل 12 : 80 ، الباب 50 من أبواب أحكام العشرة .
2 النساء : 6 .
3 انظر التبيان في تفسير القرآن 7 : 427 .