سيرة العامّة من المسلمين لا خصوص سيرة المتشرّعة ، ولا سيرة عقلاء العالم كافّة .
وعلى كلّ حال ، فقد ردّ كلامه من قبل المعلّقين عليه ، بل ترقّى بعضهم فادّعى قيام سيرة المتشرّعة على معاملة ما حصل باليد بسبب المعاطاة معاملة الملك ، من زمان النبي صلّى اللّه عليه واله إلى يومنا هذا « 1 » .
لكن قال الإصفهاني : « لا حاجة إلى إثبات السيرة من المتشرّعة حتى ترمى بعدم المبالاة في الدين . . . بل يكفي في المقام سيرة العرف والعقلاء في كلّ ملّة ونحلة ، فإنّها لا تكاد تنكر » .
ثمّ فرّق بين السيرتين بقوله : « إنّ سيرة المتشرّعة إذا ثبتت كانت هي بنفسها دليلا على الحكم ، كالإجماع الموجب للحدس القطعي برأي المعصوم ، بخلاف سيرة العقلاء فإنّها لا حجّية لها إلّا بعد الإمضاء ولو بعدم الردع مع عموم البلوى » « 2 » .
أقول : الظاهر أنّ المراد من سيرة المتشرّعة هو سيرة المتديّنين والملتزمين بأحكام الشرع ، كي لا تحمل سيرتهم على صورة عدم مبالاتهم بالدين ؛ فلذلك أنّ المظنون قويّا هو أنّ مراد الشيخ من السيرة التي ذكرها ووصف أهلها بالتسامح في الدين وعدم المبالاة فيه إنّما هو سيرة عامّة المسلمين ، لا خصوص المتديّنين منهم .
ويشهد لما قلناه جعل الإصفهاني سيرة المتشرّعة بنفسها دليلا على الحكم دون حاجة إلى الإمضاء وعدم الردع ، وإلّا فإنّ سيرة عامّة المسلمين بحاجة إلى ذلك بلا إشكال .
ثانيا - الاستدلال على إفادة المعاطاة اللزوم :
أقيمت أدّلة عديدة على لزوم المعاطاة نشير إلى أهمها :
1 - قوله تعالى : أَوْفُوا بِالْعُقُودِ
« 1 » :
وتقريب الاستدلال به هو : أنّ العقد سواء كان مطلق العهد أم خصوص المؤكّد منه يصدق على المعاطاة ؛ إذ لا شبهة في أنّ عنوان العقد لا يتقوّم باللفظ ، لحصول التعاقد باللفظ والفعل ، فيجب الوفاء بما يقتضيه العقد ، ويحرم نقضه بمقتضى الآية .
ومن المعلوم أنّ صدق الوفاء يدور مدار القيام بمقتضى العقد بقاء أيضا ، فلو لم يستمرّ العاقد في العمل بمقتضى العقد لم يصدق الوفاء به ، بل يصدق النقض الذي هو رفع اليد عن بقاء مقتضى العقد « 2 » .
هامش
( 1 ) انظر حاشية المكاسب ( للسيّد اليزدي ) 1 : 68 .
( 2 ) انظر حاشية المكاسب ( للإصفهاني ) 1 : 104 - 105 .
1 المائدة : 1 .
2 انظر تقريب الاستدلال في هدى الطالب 1 : 543 ، وانظر : فحواه في المكاسب 3 : 56 ، وحاشية المكاسب ( للإيرواني ) 2 : 61 ، ومصباح الفقاهة 2 : 142 ، لكنّه جعل الأمر بالوفاء إرشادا إلى اللزوم ، لا أمرا تكليفيا بالوفاء ليحرم عدمه ، والبيع ( للإمام الخميني ) 1 : 126 - 127 ، واحتمل الأمرين بل وثالثا .