ودون مفسّر لا يكفي حتّى عند من يقول : « حسبنا كتاب اللّه » « 1 » ، فهل بالإمكان إدارة المجتمع الإسلامي بالكتاب وحده دون رجوع إلى مفسّر مع غضّ النظر عن شخص هذا المفسّر ؟ وهل اكتفى واحدهم بذلك عندما ترأّس المجتمع الإسلامي ؟
إذن لا مناص من مفسّر للكتاب ، ودعوى كفايته مجازفة .
فإذا كان ولا بدّ من مفسّر ، فالمتعيّن هو الذي جعله صاحب الرسالة عدلا للكتاب ، وهم أهل البيت عليهم السّلام ، وهذا يعني أنّهم أعلم بالكتاب من غيرهم ؛ لقبح جعل هؤلاء عدلا للكتاب مع وجود من هو أعلم به منهم .
ويؤيّد ما قلناه تصريحات جملة من العلماء بذلك ، منهم :
- ابن حجر ، وقد تقدّم كلامه سابقا « 2 » .
- والسمهودي ، حيث قال : « الذين وقع الحثّ على التمسّك بهم من أهل البيت النبوي والعترة الطاهرة هم العلماء بكتاب اللّه عزّ وجلّ ؛ إذ لا يحثّ صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم على التمسّك بغيرهم ، وهم الذين لا يقع بينهم وبين الكتاب افتراق حتّى يردا الحوض ؛ ولهذا قال صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم : لا تقدموهما فتهلكوا ، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا ، ولا تعلّموهم ، فإنّهم أعلم منكم » « 1 » .
- والقاري ، فإنّه قال : « الأظهر هو : أنّ أهل البيت غالبا يكونون أعرف بصاحب البيت وأحواله ، فالمراد بهم أهل العلم منهم ، المطّلعون على سيرته ، الواقفون على طريقته ، العارفون بحكمه وحكمته ، وبهذا يصلح أن يكونوا مقابلا لكتاب اللّه سبحانه ، كما قال :
وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ
« 2 » » « 3 » .
الطريق الثاني - التصريح بأعلميّتهم :
ورد التصريح عن النبيّ صلّى اللّه عليه واله وأهل بيته عليهم السّلام وغيرهم ، بأعلميّة أهل البيت عليهم السّلام ، فمن ذلك :
- قوله صلّى اللّه عليه واله : « أنا دار الحكمة وعليّ بابها » .
- وقوله صلّى اللّه عليه واله : « أنا مدينة العلم وعليّ بابها ، فمن أراد العلم فليأت الباب » « 4 » .
هامش
( 1 ) قاله عمر بن الخطّاب حينما قال الرسول صلّى اللّه عليه واله في مرضه الذي توفّي فيه : « ائتوني بكتف ودواة أكتب لكم كتابا لن تضلّوا بعده أبدا » ، فقال عمر : « إنّ الرجل قد غلبه الوجع - أو يهجر - حسبنا كتاب اللّه » ، وقد ذكرنا ألفاظ الرواية ومصادرها عند الكلام عن الإمامة الكبرى ، راجع عنوان : « إمامة / الإمامة الكبرى » .
( 2 ) راجع الصفحة 48 .
1 جواهر العقدين 1 : 93 .
2 البقرة : 129 .
3 المرقاة في شرح المشكاة 10 : 531 ، كتاب المناقب ، ذيل الحديث 6153 .
4 ذكروا للحديثين ما يقارب عشرين طريقا تنتهي إلى عليّ عليه السّلام ، وعبد اللّه بن عبّاس ، وجابر بن عبد اللّه الأنصاري ، وغيرهم . -