وقال المناوي - بعد ذكر حديث الثقلين - :
« وفي هذا مع قوله أوّلا : " إنّي تارك فيكم " تلويح ، بل تصريح ، بأنّهما كتوأمين خلّفهما ، ووصّى أمّته بحسن معاملتهما ، وإيثار حقّهما على أنفسهما ، واستمساك [ والاستمساك ] بهما في الدين ، أمّا الكتاب فلأنّه معدن العلوم اللدنيّة ، والأسرار والحكم الشرعيّة ، وكنوز الحقائق ، وخفايا الدقائق .
وأمّا العترة فلأنّ العنصر إذا طاب أعان على فهم الدين ، فطيب العنصر يؤدّي إلى حسن الأخلاق ، ومحاسنها تؤدّي إلى صفاء القلب ونزاهته وطهارته » .
ثمّ قال : « قال الحكيم : والمراد بعترته هنا العلماء العاملون ؛ إذ هم الذين لا يفارقون القرآن . . . » .
ثمّ قال : « تنبيه : قال الشريف : هذا الخبر يفهم وجود من يكون أهلا للتمسّك به من أهل البيت والعترة الطاهرة في كلّ زمان إلى قيام الساعة ، حتّى يتوجّه الحثّ المذكور إلى التمسّك به ، كما أنّ الكتاب كذلك ، فلذلك كانوا أمانا لأهل الأرض ، فإذا ذهبوا ذهب أهل الأرض » « 1 » .
وكلّ هذه التصريحات تدلّ على صحّة مذهب أهل البيت عليهم السّلام .
ثالثا - تفوّقهم في العلم :
لا إشكال في تفوّق أهل البيت عليهم السّلام على غيرهم في العلم ، وربّما احتاج ذلك إلى شيء من التوضيح ؛ لأنّ التعتيم الإعلامي من قبل خصومهم ، والضغط الشديد على من التفّ حولهم ، منع من ظهور تفوّقهم لدى عامّة الناس وإن لم يكن يخفى على العلماء والعارفين أنفسهم رغم تحاشيهم عن إظهار ذلك لغيرهم ؛ ولذلك نقول :
يمكن إثبات تفوّق أهل البيت عليهم السّلام على غيرهم في العلم بعدّة طرق .
طرق إثبات التفوّق العلمي لأهل البيت عليهم السّلام :
الطريق الأوّل - جعلهم عدلا للكتاب :
تقدّم في حديث الثقلين : أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه واله جعل الكتاب وأهل البيت عدلين ، واعتبر التمسّك بهما منجيا من الضلال ، فهنا نتساءل كيف يكون التمسّك بهما منجيا ، وما هو المراد من ذلك ؟
هل المراد أنّ مجرّد احترامهم ومحبّتهم وعدم العداء لهم يكون منجيا ؟
لا شكّ أنّ ذلك من جملة المنجيات ، ولكنّ المراد : أنّ أهل البيت عليهم السّلام لمّا كانوا أعرف بالكتاب من غيرهم ، فالتفسير الصحيح للكتاب يكون عندهم لا عند غيرهم . والمراد من التفسير هو الأعمّ من التفسير في المجال الفقهي أو الاعتقادي أو غيرهما من مجالات المعارف الإلهيّة .
وبعبارة موجزة : أنّ المعارف الإلهيّة الأصيلة موجودة عندهم ، فهم الينابيع الصافية لها .
والسرّ في ذلك : أنّ الكتاب الكريم وحده
هامش
( 1 ) فيض القدير شرح الجامع الصغير 3 : 20 .