إن شاء اللّه تعالى .
ويبقى الكلام عن موقف السنّة والإجماع من الشورى فنقول :
أمّا السنّة ، فلم يرد فيها ما يدلّ على كون الإمامة من جملة ما يمكن أن يستشار فيه ، فإنّ غاية ما يدلّ عليه ما ورد من فعل النبيّ صلّى اللّه عليه وآله أو قوله ممّا يدلّ على مدح التشاور ، وأمّا أنّ مثل الإمامة تنعقد بالمشورة أيضا فلم يرد شيء في ذلك .
وأمّا الإجماع ، فالكلام فيه كالكلام في الإجماع على كون البيعة أو التنصيص طريقا لنصب الإمام ، فإنّ عمر لم يجعل مشروعيّة الشورى دائرة مدار إجماع أهل الحلّ والعقد على الرضا بما توصّل إليه المشاورون ، بل جعل نتيجة الشورى شرعيّة وإن لم يحصل إجماع ، وقد تقدّم أنّه هدّد المخالف منهم بالقتل .
تنبيه :
هنا يتبادر سؤال إلى الذهن وهو : أنّ ولاية الخليفة وسلطته إنّما تدور مدار حياته ، فإذا كان حيّا فتكون ولايته ثابتة ، وأمّا بعد وفاته فلا ولاية له على غيره ، فإذا كان كذلك ، فبأيّ وجه شرعيّ أمر الخليفة بقتل من خالف من أهل الشورى بعد وفاته ؟ « 1 »
.
6 - موقف الأدلّة الثلاثة من الاستيلاء والغلبة :
ليس هناك دليل على أنّ مجرّد الغلبة طريق شرعي لإحراز منصب الإمامة ، لا من الكتاب ولا من السنّة ، ولم يكن إجماع على ذلك ؛ لأنّهم اختلفوا في كون هذا طريقا لنصب الإمام ، فلم يذكره بعضهم واكتفى بذكر الطريقتين : البيعة والاستخلاف ، قال الماوردي : « الإمامة تنعقد من وجهين : أحدهما اختيار أهل الحلّ والعقد ، والثاني بعهد الإمام من قبل . . . » « 1 » .
وقال أبو يعلى : « والإمامة تنعقد من وجهين :
أحدهما باختيار أهل الحلّ والعقد ، والثاني بعهد الإمام من قبل . . . » .
ثمّ نقل عن أحمد روايتين ، إحداهما تدلّ على جواز الإمامة بالغلبة ، جاء فيها : « ومن غلب عليهم بالسيف حتّى صار خليفة وسمّي أمير المؤمنين فلا يحلّ لأحد يؤمن باللّه واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إماما برّا كان أو فاجرا . . . » « 2 » .
ثمّ نقل عن ابن عمر أنّه صلّى بأهل المدينة في زمن الحرّة ، وقال : « نحن مع من غلب » .
وممّن لم يذكر الغلبة : القاضي الإيجي في المواقف ، والجرجاني في شرحه « 3 » .
هامش
( 1 ) نعم يمكن توجيه ذلك بناء على مذهبنا في الإمام والإمامة كما ستأتي الإشارة إلى ذلك في الصفحتين 83 و 84 .
1 الأحكام السلطانية ( للماوردي ) : 6 .
2 الأحكام السلطانية ( لأبي يعلى ) : 23
3 المواقف وشرحها 3 : 591 - 592 .