فقال المأمون : يا سبحان اللّه ! وهل يرغب أحد عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ؟ !
فقال له الرضا عليه السّلام : أفتراه كان يحلّ له أن يخطب إليّ ؟
فسكت المأمون هنيهة ، ثمّ قال : أنتم واللّه أمسّ برسول اللّه رحما » « 1 » .
فنبّهه الإمام عليه السّلام بأنّ الولد أقرب إلى الإنسان من ولد العمّ بلا ارتياب ، فكيف يصحّ أن يتساويا بالفضل من حيث القرب ؟ !
2 - وقال المأمون يوما للرضا عليه السّلام : « أخبرني بأكبر فضيلة لأمير المؤمنين عليه السّلام يدلّ عليها القرآن .
فقال الرضا عليه السّلام : فضيلة في المباهلة ، قال جلّ جلاله :
فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ
« 2 » .
فدعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله الحسن والحسين عليهما السّلام فكانا ابنيه ، ودعا فاطمة عليها السّلام فكانت في هذا الموضع نساؤه ، ودعا أمير المؤمنين عليه السّلام فكان نفسه بحكم اللّه عزّ وجلّ ، فقد ثبت أنّه ليس أحد من خلق اللّه تعالى أجلّ من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وأفضل ، فوجب أن لا يكون أحد أفضل من نفس رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله بحكم اللّه تعالى .
فقال المأمون : أليس قد ذكر اللّه تعالى الأبناء بلفظ الجمع ؟ وإنّما دعا رسول اللّه ابنيه خاصّة ، وذكر النساء بلفظ الجمع ؟ وإنّما دعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ابنته وحدها ، فألا جاز أن يذكر الدعاء لمن هو نفسه ويكون المراد نفسه في الحقيقة دون غيره ، فلا يكون لأمير المؤمنين عليه السّلام ما ذكرت من الفضل ؟
فقال الرضا عليه السّلام : ليس يصحّ ما ذكرت يا أمير المؤمنين ، وذلك أنّ الداعي إنّما يكون داعيا لغيره ، كما أنّ الآمر آمر لغيره ، ولا يصحّ أن يكون داعيا لنفسه في الحقيقة ، كما لا يكون آمرا لها في الحقيقة .
وإذا لم يدع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله رجلا في المباهلة إلّا أمير المؤمنين عليه السّلام ، فقد ثبت أنّه نفسه التي عناها اللّه سبحانه في كتابه وجعل حكمه ذلك في تنزيله .
فقال المأمون : إذا ورد الجواب سقط السؤال » « 1 » .
3 - وقال المأمون : « يا أبا الحسن ، أخبرني عن جدّك عليّ بن أبي طالب : بأيّ وجه هو قسيم الجنّة والنار ؟ فقال : يا أمير المؤمنين ، ألم ترو عن أبيك ، عن آبائه ، عن عبد اللّه بن عبّاس ، أنّه قال :
سمعت رسول اللّه يقول : حبّ عليّ إيمان وبغضه كفر ؟
فقال : بلى .
قال الرضا عليه السّلام : فقسّم الجنّة والنار .
هامش
( 1 ) البحار 10 : 349 - 350 ، كتاب الاحتجاج ، باب مناظرات الرضا عليه السّلام ، الحديث 9 ، و 49 : 187 ، تاريخ الإمام الرضا عليه السّلام ، باب سائر ما جرى بينه وبين المأمون ، الحديث 19 .
( 2 ) آل عمران : 61 .
1 البحار 10 : 350 ، كتاب الاحتجاج ، باب مناظرات الرضا عليه السّلام ، الحديث 10 ، و 49 : 188 ، تاريخ الإمام الرضا عليه السّلام ، باب سائر ما جرى بينه وبين المأمون ، الحديث 20 .