خاصّة في السنين الأخيرة من حياته التي قضاها مع المأمون ؛ وذلك لأنّ المأمون كان يغري به من يحاججه ويناظره لعلّه يحطّ من قدره أمام الناس وخاصّة العلماء ، كما كان للمأمون نفسه حوارات ومناظرات مع الإمام عليه السّلام ، للسبب نفسه ، أو للاستفادة منه .
احتجاج الإمام عليه السّلام مع علماء سائر الأديان :
فمن تلك الاحتجاجات ما رووه : من أنّ المأمون أمر الفضل بن سهل أن يجمع له علماء الأديان والفرق والمتكلّمين ، فجمعهم وأدخلهم على المأمون بأمره ، ثمّ قال لهم المأمون : إنّما جمعتكم لخير وأحببت أن تناظروا ابن عمّي هذا المدني ، القادم عليّ ، فإذا كان بكرة فاغدوا عليّ ولا يتخلّف منكم أحد .
فقالوا : السمع والطاعة يا أمير المؤمنين .
ثمّ أخبر المأمون الإمام عليه السّلام بذلك .
ولمّا صار الغد أرسل إلى الإمام عليه السّلام ، فدخل والمجلس غاصّ بأهله ، فقام المأمون وقاموا جميعا ، فجلس الإمام عليه السّلام ، ثمّ أمر القائمين بالجلوس .
ثمّ التفت المأمون إلى الجاثليق « 1 » : فقال :
يا جاثليق ، هذا ابن عمّي عليّ بن موسى بن جعفر ، وهو من ولد فاطمة بنت نبيّنا ، وابن عليّ بن أبي طالب صلوات اللّه عليهما ، فاحبّ أن تكلّمه وتحاجّه وتنصفه .
فقال الجاثليق : يا أمير المؤمنين ، كيف احاجّ رجلا يحتجّ عليّ بكتاب أنا منكره ؟ ونبيّ لا أؤمن به ؟
فقال الرضا عليه السّلام : يا نصراني ، فإن احتججت عليك بإنجيلك أتقرّ به ؟
قال الجاثليق : وهل أقدر على دفع ما نطق به الإنجيل ؟ نعم ، واللّه أقرّ به على رغم أنفي .
فقال الرضا عليه السّلام : سل عمّا بدا لك وافهم الجواب .
فقال الجاثليق : ما تقول في نبوّة عيسى وكتابه ؟ هل تنكر منهما شيئا ؟
قال الرضا عليه السّلام : أنا مقرّ بنبوّة عيسى وكتابه وما بشّر به امّته وأقرّت به الحواريون ، وكافر بنبوّة كلّ عيسى لم يقرّ بنبوّة محمّد صلّى اللّه عليه وآله وبكتابه ولم يبشّر به امّته .
قال الجاثليق : أليس إنّما تقطع الأحكام بشاهدي عدل ؟
قال : بلى .
قال : فأقم شاهدين من غير أهل ملّتك على نبوّة محمّد ممّن لا تنكره النصرانيّة ، وسلنا مثل ذلك من غير أهل ملّتنا .
قال الرضا عليه السّلام : الآن جئت بالنصفة يا نصراني ، ألا تقبل منّي العدل المقدّم عند المسيح عيسى بن مريم ؟
قال الجاثليق : من هذا العدل ؟ سمّه لي .
هامش
( 1 ) الجاثليق : مقدّم الأساقفة عند بعض الطوائف المسيحية الشرقية . انظر المعجم الوسيط : « جاثليق » .