وروي عن طاووس اليماني أنّه قال :
« دخلت الحجر في الليل ، فإذا عليّ بن الحسين عليه السّلام قد دخل فقام يصلّي ، فصلّى ما شاء اللّه ، ثمّ سجد ، قال : فقلت : رجل صالح من أهل بيت الخير ، لأستمعنّ إلى دعائه ، فسمعته يقول في سجوده :
" عبيدك بفنائك ، مسكينك بفنائك ، فقيرك بفنائك ، سائلك بفنائك " .
قال طاووس : فما دعوت بهنّ في كرب إلّا فرّج عنّي » « 1 » .
وأمّا زهده :
فقد قال عنه حفيده أبو عبد اللّه عليه السّلام - بعد أن شرح زهد جدّه عليّ بن أبي طالب عليه السّلام وسيرته - :
« . . . وما أشبهه من ولده ، ولا أهل بيته أحد أقرب شبها به في لباسه وفقهه من عليّ بن الحسين عليهما السّلام » « 2 » .
وروى الكليني بإسناده عن سعيد بن المسيّب ، قال : « كان عليّ بن الحسين عليهما السّلام يعظ الناس ويزهّدهم في الدنيا ، ويرغّبهم في أعمال الآخرة في كلّ جمعة في مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله » ثمّ نقل عنه خطبة طويلة جاء في أوّلها :
« أيّها الناس ، اتّقوا اللّه واعلموا أنّكم إليه ترجعون ، فتجد كلّ نفس ما عملت في هذه الدنيا من خير محضرا ، وما عملت من سوء ، تودّ لو أنّ بينها وبينه أمدا بعيدا ، ويحذّركم اللّه نفسه ، ويحك يا بن آدم الغافل ، وليس بمغفول عنه . . . » .
وجاء في أثنائها : « فازهدوا فيما زهّدكم اللّه عزّ وجلّ فيه من عاجل الحياة الدنيا . . . » .
ثمّ جاء في آخرها : « . . فأسأل اللّه العون لنا ولكم على تزوّد التقوى والزهد فيها ، جعلنا اللّه وإيّاكم من الزاهدين في عاجل زهرة الحياة الدنيا ، والراغبين لآجل ثواب الآخرة فإنّما نحن به وله ، وصلّى اللّه على محمّد النبيّ وآله وسلّم ، والسلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته » « 1 » .
وأمّا حلمه وعفوه :
فحسبك أنّه آوى إليه جماعة من بني مروان - وخاصّة نساءهم - في واقعة الحرّة ومنع من وصول الأذى إليهم « 2 » ، في حين كان مروان العدوّ اللدود لأهل البيت عليهم السّلام ، فقد اشترك في حرب الجمل
هامش
( 1 ) انظر : الإرشاد 2 : 143 - 144 ، والفصول المهمّة :
190 ، ونقل عن مصادر عديدة أخرى ذكرت في هامش الإرشاد .
( 2 ) الإرشاد 2 : 142 .
1 الكافي ( الروضة ) 8 : 72 - 76 .
2 قال الطبري : « . . وقد كان عليّ بن الحسين لمّا خرج بنو اميّة نحو الشام آوى إليه ثقل مروان بن الحكم وامرأته عائشة بنت عثمان بن عفّان » ، وذكر أنّ مروان كلّم ابن عمر أن يفعل ذلك فامتنع ، ثمّ كلّم عليّ بن الحسين عليه السّلام فخرج بحرمه وحرم مروان حتّى وضعهم بينبع . انظر تاريخ الطبري 4 : 372 .
وهذه صورة أخرى يتجلّى فيها الخطّ العلوي وتمايزه من الخطّ الأموي .