ذات يوم ، إذ سمع قوما يشبّهون اللّه تعالى بخلقه ، ففزع لذلك وارتاع له ، ونهض حتّى أتى قبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله فوقف عنده ورفع صوته يناجي ربّه ، فقال في مناجاته له :
« إلهي ، بدت قدرتك ولم تبد هيئة فجهلوك ، وقدّروك بالتقدير على غير ما به أنت ، شبّهوك وأنا بريء يا إلهي من الذين بالتشبيه طلبوك ، ليس كمثلك شيء إلهي ولم يدركوك ، وظاهر ما بهم من نعمة دليلهم عليك لو عرفوك ، وفي خلقك يا إلهي مندوحة أن ينالوك ، بل سوّوك بخلقك ، فمن ثمّ لم يعرفوك ، واتّخذوا بعض آياتك ربّا فبذلك وصفوك ، فتعاليت يا إلهي عمّا به المشبّهون نعتوك » « 1 » .
وبهذه الطريقة - أي طريقة الدعاء - تمكّن في تلك الظروف القاسية والشديدة أن يظهر للناس جانبا من العلم الإلهي الذي كان مكنونا في صدره عليه السّلام .
وأنت إذا تأمّلت الصحيفة السجادية ورسالة الحقوق وجدتهما منبعا فيّاضا من المعارف الإلهيّة بأسلوب الدعاء . وقد قام جمع من العلماء بشرحهما ، منهم العلّامة السيّد علي خان الشيرازي « 2 » حيث شرح الصحيفة السجادية في سبعة مجلّدات .
4 - موقفه ضدّ الغلوّ :
وقف ضدّ الغلوّ ، فقال لبعض القادمين من العراق : « أحبّونا حبّ الإسلام ، فما زال حبّكم لنا حتّى صار شينا علينا » « 1 » .
أي أحبّونا حبّا يكون موافقا لقانون الإسلام ولا يخرجكم عنه ، ولا تفرطوا في حبّكم لنا بحيث تقولون فينا ما لا نرضى به ، فتصيرون شينا وعيبا علينا « 2 » .
وأمّا عبادته :
فناهيك بها أنّه كان يلقّب بزين العابدين ، وسيّد الساجدين ، وذي الثفنات .
وقد دخل عليه ابنه أبو جعفر الباقر عليهما السّلام ، فإذا هو قد بلغ من العبادة ما لم يبلغه أحد ، فرآه اصفرّ لونه من السهر ، ورمصت عيناه من البكاء ، ودبرت جبهته ، وانخرم أنفه من السجود ، وورمت ساقاه وقدماه من القيام في الصلاة ، فقال أبو جعفر عليه السّلام :
« فلم أملك - حين رأيته بتلك الحال - البكاء ، فبكيت رحمة له ، وإذا هو يفكّر ، فالتفت إليّ بعد هنيهة من دخولي ، فقال : يا بنيّ ، أعطني بعض تلك الصحف التي فيها عبادة عليّ بن أبي طالب عليه السّلام ، فأعطيته ، فقرأ فيها شيئا يسيرا ، ثمّ تركها من يده تضجّرا ، وقال : من يقوى على عبادة عليّ عليه السّلام ؟ ! » « 3 » .
هامش
( 1 ) الإرشاد 2 : 152 - 153 .
( 2 ) ذكرنا ترجمته في أعلام الموسوعة في الجزء الرابع .
1 انظر : الإرشاد 2 : 141 ، وحلية الأولياء 3 : 136 .
2 انظر البحار 46 : 73 ، ذيل الحديث 58 .
3 الإرشاد 2 : 142 .