فعله به أهل الكوفة ، فلم يحل دون مسيره إليها ؛ لأنّ الرسالة والمسؤولية التي كان يتحمّلها الحسين عليه السّلام كانت عظيمة جدّا .
والتقى في طريقه الحرّ بن يزيد الرياحي الذي أرسله ابن زياد في ألف فارس لإلقاء القبض عليه ، وقد جهدهم العطش ، فسقاهم الحسين عليه السّلام وأصحابه .
ولمّا حضرت الصلاة خطب الإمام عليه السّلام الناس ، فحمد اللّه وأثنى عليه ، ثمّ قال :
« أيّها الناس ، إنّي لم آتكم حتّى أتتني كتبكم ، وقدمت عليّ رسلكم : أن أقدم علينا فإنّه ليس لنا إمام ، لعلّ اللّه يجمعنا بك على الهدى والحقّ ، فإن كنتم على ذلك فقد جئتكم فأعطوني ما أطمئنّ إليه من عهودكم ومواثيقكم ، وإن لم تفعلوا وكنتم لمقدمي كارهين انصرفت عنكم إلى المكان الذي جئت منه إليكم » .
فسكتوا ولم يتكلّم أحد منهم بكلمة .
فصلّى الحسين عليه السّلام وصلّى الحرّ وأصحابه بصلاته .
وصلّى بهم العصر أيضا ثمّ خطبهم فقال بعد الحمد والثناء على اللّه تعالى : « أمّا بعد : أيّها الناس ، فإنّكم إن تتّقوا اللّه وتعرفوا الحقّ لأهله يكن أرضى للّه عنكم ، ونحن أهل بيت محمّد وأولى بولاية هذا الأمر عليكم من هؤلاء المدّعين ما ليس لهم ، والسائرين فيكم بالجور والعدوان ، وإن أبيتم إلّا الكراهية لنا والجهل بحقّنا ، فكان رأيكم الآن غير ما أتتني به كتبكم ، وقدمت به عليّ رسلكم انصرفت عنكم » .
فقال له الحرّ : أنا واللّه لا أدري ما هذه الكتب !
فأمر الحسين عليه السّلام بإخراجها .
فقال الحرّ : إنّا لسنا من هؤلاء الذين كتبوا إليك .
ثمّ كانت محاورات قال فيها الحرّ : إنّه مأمور ألّا يفارق الحسين عليه السّلام حتّى يقدمه الكوفة .
ثمّ توافقا على أن يسيرا مسيرا لا ينتهي إلى الكوفة حتّى يرون ماذا سيكون .
وانتهى بهم المسير إلى أرض نينوى ، وإذا بالكتاب من عبيد اللّه بن زياد : « أمّا بعد : فجعجع بالحسين حين يبلغك كتابي ويقدم عليك رسولي ، ولا تنزله إلّا بالعراء في غير حصن وعلى غير ماء ، فقد أمرت رسولي أن يلزمك ولا يفارقك حتّى يأتيني بإنفاذك أمري . والسلام » .
ففعل الحرّ بما امر به وأنزلهم حيث لم يكن ماء .
فلمّا كان من الغد قدم عليهم عمر بن سعد بن أبي وقّاص من الكوفة في أربعة آلاف فارس .
وراسل عمر بن سعد الحسين عليه السّلام يسأله عن سبب مجيئه ، فأجابه : بأنّهم كتبوا إليه في ذلك ، فإذا تغيّر رأيهم فسينصرف عنهم .
فكتب عمر بذلك إلى ابن زياد ، فأجابه :
« . . . اعرض على الحسين أن يبايع ليزيد هو وجميع أصحابه ، فإذا فعل ذلك رأينا رأينا ، والسلام » .
الموسوعة الفقهية الميسرة — صفحة 517
مساهمون: الشيخ محمد علي الأنصاري
ص٥١٧