فإن مات معاوية نظر في ذلك .
ولمّا مات معاوية كتب يزيد إلى الوليد بن عتبة بن أبي سفيان - وكان واليه على المدينة - أن يأخذ البيعة من الحسين عليه السّلام لنفسه وأمره أن يضرب عنقه إن امتنع منها ، فأنفذ الوليد إلى الحسين عليه السّلام ليلا فاستدعاه وطلب منه البيعة ، فذهب إليه الحسين عليه السّلام مع جماعة من مواليه ، فنعى الوليد موت معاوية ، فاسترجع الحسين عليه السّلام ، ثمّ قرأ كتاب يزيد وما أمره فيه بأخذ البيعة ، فاعتذر إليه الحسين عليه السّلام بأنّ البيعة سرّا لا فائدة فيها ، فوافق الوليد ، ولكن حرّضه مروان بأخذ البيعة منه أو ضرب عنقه ، فقال له الحسين عليه السّلام : « أنت يا بن الزرقاء تقتلني أو هو ؟ ! كذبت وأثمت » وخرج حتّى أتى منزله .
فأقام تلك الليلة وفي عصر اليوم الثاني بعث الوليد الرجال لأخذ البيعة فقال لهم الحسين عليه السّلام : « أصبحوا ثمّ ترون ونرى » فكفّوا تلك الليلة ، فخرج مع أهل بيته متوجّها نحو مكّة ، وهو يقرأ :
فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
« 1 » .
وبعد ما علم أهل الكوفة بموت معاوية وما فعله الحسين عليه السّلام اجتمعوا وتشاوروا فيما بينهم فأرسلوا إلى الحسين عليه السّلام الرسائل والكتب يدعونه فيها للمسير إليهم ، فأرسل إليهم ابن عمّه مسلم بن عقيل وأمره بتقوى اللّه وكتمان أمره ، فإن رأى الناس مجتمعين أخبره بذلك .
وحينما ورد مسلم الكوفة بايعه من أهلها ثمانية عشر ألفا ، فكتب مسلم إلى الحسين عليه السّلام يخبره بذلك .
ولمّا وصل النبأ إلى يزيد استشار سرجون مولى معاوية ، فأشار عليه أن يعزل النعمان بن بشير عن الكوفة ، ويعهد لعبيد اللّه بن زياد بولاية الكوفة ، ويضمّ إليها ولاية البصرة .
وعندما وصل ابن زياد الكوفة أخذ العرفاء والناس أخذا شديدا ، ودسّ جواسيسه بين الموالين للحسين عليه السّلام وأنصاره ليأتوه بالأخبار ، وأمر رؤساء القبائل أن يخذّلوا الناس عن مسلم بن عقيل ، ويعلموهم بوصول الجند من الشام .
فلمّا سمع الناس ذلك تفرّقوا عن مسلم وخذلوه ، حتّى انتهى الأمر إلى إلقاء القبض عليه بعد قتال بينه وبين جند ابن زياد ، ثمّ استشهاده بأمر الطاغية عبيد اللّه بن زياد ، واستشهد معه هانئ بن عروة رئيس قبيلة مذحج باتّهام إيوائه مسلم بن عقيل ، فجرّوا جسديهما في أسواق الكوفة « 1 » .
وسار الحسين عليه السّلام من مكّة بعد تواتر الرسائل والرسل إليه ، وعلمه ببيعة الناس لمسلم بن عقيل .
وفي الطريق وصله نبأ استشهاد مسلم وما
هامش
( 1 ) القصص : 21 .
1 وفيهما قال عبد اللّه بن الزبير الأسدي :إن كنت لا تدرين ما الموت فانظري * إلى هانئ في السوق وابن عقيلإلى آخر الأبيات ، انظر الإرشاد 2 : 64 .