أو تعفيني يا أمير المؤمنين ؟ ! قال : لا أعفيك .
قال : أمّا إذ لابدّ : فإنّه كان واللّه بعيد المدى ، شديد القوى ، يقول فصلا ، ويحكم عدلا ، يتفجّر العلم من جوانبه ، وتنطق الحكمة من نواحيه .
يستوحش من الدنيا وزهرتها ، ويستأنس بالليل وظلمته .
كان واللّه غزير العبرة ، طويل الفكرة ، يقلّب كفّه ، ويخاطب نفسه ، يعجبه من اللباس ما قصر ، ومن الطعام ما جشب .
كان واللّه كأحدنا ، يدنينا إذا أتيناه ، ويجيبنا إذا سألناه ، وكان مع تقرّبه إلينا وقربه منّا لا نكلّمه هيبة له ، فإن تبسّم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم .
يعظّم أهل الدين ، ويحبّ المساكين ، لا يطمع القويّ في باطله ، ولا ييأس الضعيف من عدله ، فأشهد باللّه ، لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله ، وغارت نجومه ، يميل في محرابه قابضا على لحيته ، يتململ تململ السليم ، ويبكي بكاء الحزين ، فكأنّي أسمعه الآن وهو يقول : يا ربّنا ، يا ربّنا - يتضرّع إليه - ثمّ يقول للدنيا : إليّ تغرّرت ؟ ! وإليّ تشوّفت ؟ ! هيهات ! هيهات ! غرّي غيري ، قد بتتّك ثلاثا ، فعمرك قصير ، ومجلسك حقير ، وخطرك يسير . آه ، آه من قلّة الزاد ، وبعد السفر ، ووحشة الطريق !
فوكفت دموع معاوية على لحيته ما يملكها ، وجعل ينشفها بكمّه ، وقد اختنق القوم بالبكاء ، فقال : كذا كان أبو الحسن رحمه اللّه . كيف وجدك عليه يا ضرار ؟ قال : وجد من ذبح واحدها في حجرها ، لا ترقأ دمعتها ، ولا يسكن حزنها ، ثمّ قام فخرج » « 1 » .
كانت هذه بعض صفاته الحميدة وهي كثيرة ، لا يسعنا التعرّض لها ، ولذلك اكتفينا بالمقدار الذي ذكرناه ، ومع ذلك فقد خرجنا به عن منهج الكتاب في الاختصار ، لعلّنا نكون قد أدّينا بعض ما علينا من الواجب تجاه هذا الإمام العظيم ، وسوف يأتي جانب آخر من فضائله مع فضائل سائر أهل البيت عليهم السّلام في عنوان « أهل البيت عليهم السّلام » ، كما تقدّم بعضها في عنوان « إمامة » أيضا .
ثانيا - الإمام الحسن بن عليّ عليهما السّلام
اسمه ونسبه :
هو الحسن بن عليّ بن أبي طالب بن عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف .
وامّه فاطمة الزهراء عليها السّلام بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، فهو سبط الرسول صلّى اللّه عليه وآله « 2 » .
كنيته ولقبه :
كنيته : أبو محمّد « 3 » ، ولقبه : المجتبى ، والسيّد ،
هامش
( 1 ) حلية الأولياء 1 : 84 - 85 .
( 2 ) انظر : الإرشاد 2 : 5 ، وإعلام الورى 1 : 402 .
( 3 ) انظر المصدرين المتقدّمين .