أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السّلام ، فأطراه ومدحه بما هو أهله ، ثمّ قال : واللّه ما أكل عليّ بن أبي طالب عليه السّلام من الدنيا حراما قطّ حتّى مضى لسبيله ، وما عرض له أمران قطّ هما للّه رضا إلّا أخذ بأشدّهما عليه في دينه ، وما نزلت برسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله نازلة إلّا دعاه فقدّمه ثقة به ، وما أطاق عمل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله من هذه الامّة غيره ، وإن كان ليعمل عمل رجل كأنّ وجهه بين الجنّة والنار ، يرجو ثواب هذه ، ويخاف عقاب هذه ، ولقد أعتق من ماله ألف مملوك في طلب وجه اللّه والنجاة من النار ممّا كدّ بيديه ورشح منه جبينه ، وإن كان ليقوت أهله بالزيت والخلّ والعجوة ، وما كان لباسه إلّا الكرابيس ، إذا فضل شيء عن يده من كمّه دعا بالجلم فقصّه ، وما أشبهه من ولده وأهل بيته أحد أقرب شبها به في لباسه وفقهه من عليّ بن الحسين عليهما السّلام » « 1 » .
وأمّا حسن خلقه :
فقد ضرب به المثل في حسن الخلق ، وبشر الوجه ، وطلاقة المحيّا والتبسّم . ولكنّ أعداءه عابوه بذلك ، قال عمرو بن العاص لأهل الشام : « إنّه ذو دعابة « 2 » شديدة » فقال عليّ عليه السّلام : « عجبا لابن النابغة ! يزعم لأهل الشام أنّ فيّ دعابة ، وأنّي امرؤ تلعابة « 1 » ، اعافس « 2 » وأمارس « 3 » » .
وعمرو بن العاص إنّما أخذها عن عمر بن الخطّاب ؛ لقوله له لمّا عزم على الاستخلاف :
« للّه أبوك لولا دعابة فيك ! » .
وقال معاوية لقيس بن سعد : « رحم اللّه أبا حسن ، فلقد كان هشّا بشّا ، ذا فكاهة » .
فقال قيس : « نعم ، كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه [ وآله ] يمزح ويبتسم إلى أصحابه ، وأراك تسرّ حسوا في ارتغاء « 4 » ، وتعيبه بذلك ؟ ! أما واللّه لقد كان مع تلك الفكاهة والطلاقة أهيب من ذي لبدتين قد مسّه الطوى ؛ تلك هيبة التقوى ، وليس كما يهابك طغام أهل الشام » .
وعلّق ابن أبي الحديد بعد نقل ذلك كلّه بقوله :
« وقد بقي هذا الخلق متوارثا متناقلا في محبّيه وأوليائه إلى الآن ، كما بقي الجفاء والخشونة والوعورة في الجانب الآخر ، ومن له أدنى معرفة بأخلاق الناس وعوائدهم يعرف ذلك » « 5 » .
هامش
( 1 ) الإرشاد 2 : 141 - 142 ، وسوف يأتي ما يناسب ذلك في ترجمة الإمام عليّ بن الحسين عليه السّلام .
( 2 ) الدعابة : المزاح . لسان العرب : « دعب » .
1 التلعابة : صيغة مبالغة من اللعب ، وهنا بمعنى كثرة المزاح . لسان العرب : « لعب » .
2 المعافسة : معالجة الأمور وممارستها ، ويراد بها المداعبة أيضا . لسان العرب : « عفس » .
3 الممارسة : أريد بها هنا ملاعبة النساء . انظر النهاية ( لابن الأثير ) : « مرس » .
4 في المثل : « يسرّ حسوا في ارتغاء » ، يضرب لمن يظهر أمرا وهو يريد غيره . لسان العرب : « رغا » .
5 شرح النهج 1 : 25 - 26 .