شارحوه دلالة على أنّه لا يجارى في الفصاحة ، ولا يبارى في البلاغة ، وحسبك أنّه لم يدوّن لأحد من فصحاء الصحابة العشر ، ولا نصف العشر ممّا دوّن له . . . » « 1 » .
وأمّا عدالته :
فقد جسّد عليه السّلام العدالة بكلّ ما لها من معنى ، ودعا إليها قولا وعملا ، فهو القائل حينما عوتب على التسوية في العطاء ، وطلب منه أن يرجّح الرؤساء والأشراف فيه ، كي لا يميلوا إلى معاوية :
« أتأمروني أن أطلب النصر بالجور في من ولّيت عليه ؟ ! واللّه لا أطور به « 2 » ما سمر سامر « 3 » ، وما أمّ « 4 » نجم في السماء نجما ، لو كان المال لي لسوّيت بينهم ، فكيف وإنّما المال مال اللّه ! ألا وإنّ إعطاء المال في غير حقّه تبذير وإسراف ، وهو يرفع صاحبه في الدنيا ويضعه في الآخرة ، ويكرمه في الناس ، ويهينه عند اللّه . . . » « 5 » .
وقال في رسالته التي كتبها إلى الأشتر :
« أنصف اللّه وأنصف الناس من نفسك ، ومن خاصّة أهلك ، ومن لك فيه هوى من رعيّتك ، فإنّك إلّا تفعل تظلم ، ومن ظلم عباد اللّه كان اللّه خصمه دون عباده ، ومن خاصمه اللّه أدحض حجّته ، وكان للّه حربا ، حتّى ينزع أو يتوب ، وليس شيء أدعى إلى تغيير نعمة اللّه وتعجيل نقمته من إقامة على ظلم ، فإنّ اللّه سميع دعوة المضطهدين ، وهو للظالمين بالمرصاد .
وليكن أحبّ الأمور إليك أوسطها في الحقّ ، وأعمّها في العدل ، وأجمعها لرضا الرعيّة . . . » « 1 » .
ويكفيك عدله أن يوصي بقاتله فيقول :
« ألا لا تقتلنّ بي إلّا قاتلي . انظروا إذا أنا متّ من ضربته هذه فاضربوه ضربة بضربة ، ولا تمثّلوا بالرجل ، فإنّي سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله يقول : إيّاكم والمثلة ولو بالكلب العقور » « 2 » .
وقد اشتهرت عدالته بين غير المسلمين فضلا عن المسلمين ، وقد ألّفوا الكتب فيها ، منها ما كتبه المؤلّف المسيحي « جورج جرداق » في خمسة أجزاء وسمّاه « الإمام عليّ صوت العدالة الإنسانيّة » .
ولنختم الكلام بوصف ضرار عليّا عليه السّلام في مجلس معاوية .
فقد روي : « أنّ ضرار بن ضمرة الكناني دخل على معاوية فقال له : صف لي عليّا . فقال :
هامش
( 1 ) شرح النهج 1 : 24 - 25 .
( 2 ) أي : لا أقربه ، ولا تطر حولنا ، أي لا تقرب ما حولنا ، أصله من طوار الدار ، وهو ما كان ممتدّا معها من الفناء .
شرح النهج 8 : 110 .
( 3 ) أي : ما بقي الدهر . المصدر المتقدّم .
( 4 ) أي : قصد ؛ لأنّ النجوم تتبع بعضها بعضا . انظر لسان العرب : « أمم » .
( 5 ) نهج البلاغة : 183 ، الخطبة 126 .
1 نهج البلاغة : 428 - 429 ، قسم الرسائل ، الرسالة 53 .
2 نهج البلاغة : 422 ، قسم الرسائل ، الرسالة 47 .