في الغنائم ، وبعضهم شكّاك ، وبعضهم أصحاب عصبيّة اتّبعوا رؤساء قبائلهم ، لا يرجعون إلى دين .
سار حتّى نزل ساباط ، وفيه وقع الشغب في الجيش بدسائس معاوية ، فحملوا عليه ونهبوه وضربوه بمغول « 1 » في فخذه ، فاخذ إلى المدائن ، وبقي هناك يعالج نفسه .
فكتب جماعة من رؤساء القبائل إلى معاوية بالطاعة في السرّ واستحثّوه على السير نحوهم ، وضمنوا تسليم الحسن عليه السّلام إليه أو الفتك به .
وأنفذ الحسن عليه السّلام عبيد اللّه بن عبّاس وقيس بن سعد مع جيش للقاء معاوية ، فأرسل معاوية إلى عبيد اللّه يرغّبه في المصير إليه ، وضمن له ألف ألف درهم ، فانسلّ عبيد اللّه إلى معاوية ليلا مع خاصّته ، فأصبح الناس وقد فقدوا أميرهم ، فصلّى بهم قيس وأرسل إلى الحسن عليه السّلام يخبره بذلك « 2 » .
فهذه الأمور وغيرها برّرت للحسن عليه السّلام أن يقبل الصلح مع معاوية .
وكانت شروط الصلح كثيرة ، وفي الوفاء بها مصالح كثيرة أيضا ، منها :
1 - أن يترك معاوية سبّ أمير المؤمنين عليه السّلام .
2 - أن لا يتعرّض لأحد من شيعة أمير المؤمنين عليه السّلام بسوء .
3 - أن لا يبغي للحسن والحسين عليهما السّلام ولا لغيرهما من أهل البيت سوءا ، ولا غائلة سرّا أو جهرا .
4 - أن يوصل إلى كلّ ذي حقّ حقّه .
5 - ألّا يعهد إلى أحد من بعده عهدا « 1 » .
ثمّ لمّا توجّه معاوية إلى الكوفة ، خطب الناس بالنخيلة ، وقال فيما قال : « واللّه إنّي ما قاتلتكم لتصلّوا ، ولا لتصوموا ، ولا لتحجّوا ، ولا لتزكّوا ، إنّكم لتفعلون ذلك ، وإنّما قاتلتكم لأتأمّر عليكم ، وقد أعطاني اللّه ذلك وأنتم له كارهون ، ألا وإنّي كنت منّيت الحسن وأعطيته أشياء ، وجميعها تحت قدمي لا أفي بشيء منها له » « 2 » .
وخطب الناس بالكوفة ، والحسن والحسين عليهما السّلام جالسين تحت المنبر ، فذكر عليّا عليه السّلام فنال منه ، ثمّ نال من الحسن عليه السّلام فقام الحسين عليه السّلام ليردّ عليه ، فأخذه الحسن عليه السّلام بيده فأجلسه ، ثمّ قام فقال : « أيّها الذاكر عليّا ، أنا الحسن ، وأبي عليّ ، وأنت معاوية وأبوك صخر ، وامّي فاطمة وامّك هند ، وجدّي رسول اللّه وجدّك عتبة بن ربيعة ، وجدّتي خديجة وجدّتك قتيلة ، فلعن اللّه أخملنا ذكرا ، وألأمنا حسبا ، وشرّنا قديما وحديثا ، وأقدمنا كفرا ونفاقا » فقالت طوائف من أهل المسجد : آمين « 3 » .
هامش
( 1 ) سيف دقيق غمده سوط ، يشدّه الفاتك في وسطه ليغتال به الناس . لسان العرب : « غول » .
( 2 ) انظر الإرشاد للمفيد 2 : 10 - 13 .
1 انظر : الإرشاد 2 : 14 ، والفصول المهمّة : 154 .
2 الإرشاد 2 : 14 ، وانظر شرح النهج 16 : 46 .
3 نقل ذلك ابن أبي الحديد ، عن أبي الفرج الإصفهاني ، عن أبي عبيد محمّد بن أحمد ، عن الفضل بن الحسن البصري ، عن يحيى بن معين ، وكلّ واحد من هؤلاء -