الظنّ إذا كان له جهات متعدّدة تتفاوت بالقوّة والضعف ، فالعدول عن القوي منها إلى الضعيف قبيح ، ولا ريب أنّ كثيرا من أخبار الآحاد يحصل بها من الظنّ ما لا يحصل بشيء من سائر الأدلّة ، فيجب تقديم العمل بها » « 1 » .
المقدّمة الثالثة :
لا يجوز لنا إهمال التكاليف وعدم التعرّض لامتثالها ؛ لأنّ هذا شيء لا يرضى به الشارع قطعا « 2 » .
المقدّمة الرابعة :
فإذا وجب التعرّض لامتثال التكاليف ، فطريق الامتثال هو ، إمّا :
- بالرجوع إلى مجتهد يقول بانفتاح باب العلم أو العلمي .
- أو بالرجوع إلى الأصول الجارية في الشكوك ، كالبراءة والاستصحاب والتخيير والاحتياط .
- أو بالاحتياط الموجب للعلم الإجمالي بالامتثال .
وهذه كلّها مردودة :
أمّا الأوّل ، فلأنّ الرجوع إلى المجتهد إنّما هو وظيفة المقلّد ، والمجتهد ليس من وظيفته الرجوع إلى مجتهد آخر ؛ والقائل بالانسداد ربّما كان أعلم من القائل بالانفتاح .
وأمّا الثاني ، فإنّ الأصل الجاري إذا كان نافيا ، كما هو الغالب ، مثل البراءة واستصحاب عدم التكليف ونحوهما ، فإنّه يستلزم نفي التكليف ، وبالنتيجة إهمال غالب التكاليف .
وأمّا الاستصحابات المثبتة ، فالتكاليف الثابتة بها قليلة لا تحلّ المشكلة .
وأمّا التخيير ، فمورده دوران الأمر بين المحذورين ، وهو قليل أيضا .
وأمّا الاحتياط ، فيأتي الكلام عنه .
وأمّا الثالث ، وهو العمل بالاحتياط ، فهو غير واجب للأسباب التالية :
1 - الإجماع القطعي على أنّ المرجع في الشريعة الإسلامية - على تقدير انسداد باب العلم والعلمي - ليس هو الاحتياط والالتزام بفعل كلّ ما يحتمل وجوبه ولو كان موهوما ، وترك كلّ ما يحتمل الحرمة وإن كان موهوما أيضا .
هامش
( 1 ) معالم الدين ، قسم الأصول ( الحجرية ) : 192 ، وانظر :
فرائد الأصول 1 : 386 ، وكفاية الأصول : 311 - 312 ، وفوائد الأصول 3 : 226 ، ونهاية الأفكار 3 : 145 - 149 ، ومصباح الأصول 2 : 219 و 226 .
( 2 ) يبدو أنّ هناك التباسا وقع في عبارات مصباح الأصول ، فقد نسب فيه إلى صاحب الكفاية أنّه أضاف إلى المقدّمات الأربع التي ذكرها الشيخ هذه المقدّمة ، غير أنّ التي أضافها هي المقدّمة الأولى ممّا ذكرناه ، وأمّا هذه فقد ذكرها الشيخ وصاحب الكفاية كلاهما . انظر :
فرائد الأصول 1 : 384 ، وكفاية الأصول : 311 ، ومصباح الأصول 2 : 219 .