الأوّل - أنّ الأمر يدلّ على الطلب ، والطلب له فردان : طلب شديد ، وطلب ضعيف ، فالأوّل هو الوجوب ، والثاني هو الندب . والشدّة لمّا كانت من سنخ الطلب نفسه فهي ليست بحاجة إلى بيان زائد ، بخلاف الضعف ، فإنّه أمر عدمي ؛ لأنّه عدم الشدّة ؛ فلذلك يكون بحاجة إلى بيان زائد ، فإذا دلّت قرينة على الطلب الضعيف فيحمل الأمر عليه ، فيدلّ حينئذ على الندب ، وإن لم تدلّ قرينة على ذلك فيحمل الأمر على الطلب الشديد فيدلّ حينئذ على الوجوب « 1 » .
الثاني - وهو يتركّب من مقدّمتين :
الأولى - أنّ الوجوب طلب متميّز بقيد عدمي ، وهو عدم الترخيص في الترك ، والاستحباب طلب متميّز بقيد وجودي ، وهو الترخيص في الترك .
الثانية - كلّما دار الكلام بين حقيقتين المميّز لإحداهما أمر وجودي ، والمميّز للآخر أمر عدمي ، يتعيّن عند الإطلاق وعدم القرينة الحمل على العدمي ؛ لأنّ الكلام يكون دالّا عندئذ على الحيثيّة المشتركة لا أكثر . فالأمر فيما نحن فيه دالّ على الطلب ، وهو حيثيّة مشتركة بين الوجوب والندب ، ودلالته على الندب بحاجة إلى بيان زائد وهو الترخيص في الترك ، ولم يرد ذلك من المتكلّم مع أنّه في مقام البيان ، فتتمّ عندئذ مقدّمات الإطلاق ، فيستفاد منها إطلاق الطلب وعدم تقيّده ، وهو الوجوب « 1 » .
هذا وذكر السيّد الصدر توجيهين آخرين يستفاد من أحدهما أنّه مختاره هنا وفي صيغة الأمر ، وحاصله :
أنّ صيغة الأمر تدلّ على الإرسال والدفع بمعناه الحرفي - أي النسبة الإرسالية - لا الاسمي الذي هو معنى الإرسال ، وذلك يعني سدّ جميع الأبواب التي توجب عدم الإرسال ، هذا في مرحلة الدلالة التصوّرية . وأصالة التطابق بين الدلالة التصوّرية - أو فقل المدلول التصوّري - مع الدلالة التصديقيّة تقتضي أن يكون مراد الآمر هو سدّ جميع أبواب عدم الإرسال أيضا ، وهذا يعني عدم الترخيص في المخالفة ، وهو عبارة أخرى عن الوجوب « 2 » .
ثمّ إنّ السيّد الصدر ذكر جملة من الآثار التي تترتّب على كلّ من الأقوال المتقدّمة « 3 » .
ثالثا - هل الموضوع له في الأمر هو الطلب الحقيقي أو الإنشائي ، أو غيرهما ؟
اختلف الاصوليّون المتأخّرون في أنّ الموضوع له في الأمر ما هو ؟
- هل هو الطلب الحقيقي ، الذي هو الشوق المؤكّد الحاصل في النفس عقيب الداعي إلى ذلك ؟
هامش
( 1 ) انظر نهاية الأفكار ( 1 - 2 ) : 162 - 163 .
1 انظر بحوث في علم الأصول 2 : 21 - 22 .
2 انظر المصدر المتقدّم : 22 و 54 .
3 انظر المصدر المتقدّم : 24 - 26 .