وأمّا مسألة السفينة فقد تعرّض لها الفقهاء في مواضع متعدّدة مثل الضمان والكفالة والديات . قال السيّد العاملي فيها :
« فالمستفاد من كلامهم في المسألة في الأبواب الثلاثة : أنّ السفينة إذا أشرفت على الغرق ، جاز إلقاء بعض أمتعتها في البحر ، وقد يجب رجاء نجاة الراكبين إذا خيف عليهم ، فيجب إلقاء ما لا روح له وإن علت قيمته لنجاة ذي الروح « 1 » ، ولا يجب إلقاء الحيوان إذا حصل الغرض بغيره ، وإذا مسّت الحاجة إلى إلقاء الحيوان ، قدّمت الدواب لبقاء بني آدم ، ولا فرق بين العبيد والأحرار ، فلا يقدّم العبد على الحرّ » ، ثمّ قال :
« ولعلّهم يريدون ببني آدم ما كان معصوم الدم كالمسلم والذمّي والمعاهد ، لا المرتدّ والزاني المحصن والحربي واللائط ، فهذه تقدّم على الدواب إلّا الكلب العقور والخنزير والفواسق الخمس ، فإنّه يتخيّر كما نبّهوا على ذلك في باب التيمّم والأطعمة » « 2 » .
وقال الشهيد الثاني في ذيل بحثه عن المسألة المتقدّمة : « . . . وإذا قصّر من لزمه الإلقاء فلم يلق حتّى غرقت السفينة فعليه الإثم لا الضمان ، كما لو لم يطعم صاحب الطعام المضطرّ حتّى هلك » « 3 » .
وسوف يأتي الكلام عن ضمان المتخلّف عن الإنقاذ .
ومع ما تقدّم قال المحقّق الثاني : « لو قطع بغرق السفينة وهلاك بعض أهلها ، وبسلامتها لو ألقى المال في البحر ، ففي وجوب الإلقاء لإنقاذ الغير من الهلاك إشكال » « 1 » .
هل يجوز للمنقذ الرجوع إلى المنقذ فيما صرفه ؟
هذا هو السؤال الثاني ، والجواب عنه هو :
أنّه قد ذكر الفقهاء في مسألة إطعام المضطرّ :
أنّ الواجب هو أصل الإطعام ؛ ولذلك يقاتل المالك لو امتنع عنه ، وأمّا أن يكون بذل الطعام مجّانا ، فليس بواجب ، بل للمالك مطالبة الثمن . هذا إذا كان المضطرّ قادرا على دفع الثمن « 2 » .
وأمّا إذا كان عاجزا ففي وجوب بذل الطعام مجّانا وعدمه وجوه :
1 - عدم الوجوب ؛ لعصمة مال الغير كعصمة نفسه ، فيجمع بين الحقّين بوجوب العوض وقت القدرة .
وهذا القول يظهر من جماعة من الفقهاء ، مثل :
فخر الدين « 3 » ، والشهيد الأوّل « 4 » ، والشهيد
هامش
( 1 ) في هذا الإطلاق نظر ، فهل يجب إلقاء الأمتعة الغالية والنفيسة والجواهر الثمينة قبل الحيوان غير الإنسان ؟
( 2 ) مفتاح الكرامة 5 : 449 .
( 3 ) المسالك 15 : 383 .
1 جامع المقاصد 5 : 404 .
2 انظر المصادر الآتية .
3 انظر إيضاح الفوائد 4 : 167 - 168 .
4 انظر الدروس 3 : 25 .