تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الموسوعة الفقهية الميسرة — صفحة 115

مساهمون:

ص١١٥
إذا كان بسوء الاختيار ، هل هو عذر عند العقلاء ولدى العقل ، بحيث يقبح العقاب عليه ، أوليس بعذر ؟ » « 1 » .

مستند القاعدة :

تقدّم الكلام على مفاد القاعدة بمعناها الفلسفي في عنوان « إرادة » ، حيث تكلّمنا إجمالا عن الإرادة والاختيار وما يرتبط بهما من أبحاث . ولذلك نكتفي هنا بالكلام عن مفاد القاعدة بمعناها الفقهي والأصولي ، فنقول : مستند القاعدة هو حكم العقل بعدم المنافاة بين كون الفعل ممتنعا في حقّ المكلّف وبين مؤاخذته على فعله ، إذا كان الامتناع ناشئا من اختيار المكلّف وإرادته . وهذا المقدار هو المعروف بين الفقهاء والاصوليّين إجمالا ، وإنّما وقع الخلاف في حدود عدم المنافاة ، هل هو شامل للخطاب والعقاب معا ، أو للعقاب فقط ؟ توضيح ذلك : أنّ من يرمي نفسه من شاهق لا يتمكّن من حفظ نفسه بعد وقوعه ، في حين أنّه يجب على كلّ فرد حفظ نفسه من الهلاك . والسؤال هو : أوّلا - هل يشمل الخطاب بحفظ النفس هذا الفرد الذي يمتنع عليه حفظ نفسه وإن كان الامتناع بسوء اختياره ، أم لا ؟ ثانيا - وعلى فرض عدم شمول الخطاب له ، فهل هو معاقب على ترك حفظ نفسه ، أم لا ؟ أمّا بالنسبة إلى السؤال الأوّل ، ففيه جوابان : الأوّل - ما هو المعروف بين المتأخّرين « 1 » خاصّة : من أنّ الخطاب لا يشمل هذا الفرد ؛ لانعدام أثره ؛ لأنّ فائدة الخطاب إنّما هي تحريك المكلّف نحو الفعل أو زجره ومنعه من الترك ، وهذا لا يمكن حصوله بالنسبة إلى من امتنع الفعل أو الترك في حقّه ، فالذي رمى نفسه من شاهق لا يصحّ خطابه بحفظ نفسه أثناء وقوعه ؛ لأنّه غير قادر عليه وإن كان عدم القدرة بسبب سوء اختياره . الثاني - ما هو المنقول عن أبي هاشم المعتزلي : من أنّ الخطاب لا يستحيل توجّهه إليه ، واختاره المحقّق القمّي ، حيث قال بالنسبة إلى من دخل الدار المغصوبة باختياره وحكم خروجه منها والأقوال فيه : « الثالث : أنّه مأمور به ومنهي عنه أيضا ، ويحصل العصيان بالفعل والترك كليهما ، وهو مذهب أبي هاشم وأكثر أفاضل متأخّرينا ، بل هو ظاهر الفقهاء ، وهو الأقرب . . . فإنّه وإن كان يلزم تكليف ما لا يطاق أيضا ، ولكن لا دليل على استحالته إن كان الموجب هو سوء اختيار المكلّف . . . » « 2 » . ويظهر من صاحب الجواهر الميل إلى هذا
هامش
( 1 ) تهذيب الأصول 1 : 324 ، وانظر مناهج الوصول إلى علم الأصول 2 : 146 - 147 . 1 ستأتي الإشارة إليهم عند الجواب عن السؤال الثاني . 2 انظر القوانين : 153 - 154 ، في نهاية قانون اجتماع الأمر والنهي .
الموسوعة الفقهية الميسرة — صفحة 115 | الشيخ محمد علي الأنصاري