طرابلس في العهد التركي العثماني
سنة 922 ه 1516 م :
في هذه السنة استولى السلطان سليم العثماني على ديار الشام وبلاد مصر وتداولت سلاطينهم الحكم عليها إلى نهاية الحرب العامة سنة 1918 م ، فخرجت من حكمهم وانطوت صفحة زهاء أربعة قرون على هذا الحكم كادت لا تستقر سفينة فيها على شاطىء الاستقرار والاطمئنان .
وكانت تلك الصفحة مملوءة بالعبر والمثلات ، والبلاد أثناءها في تنازع مستمر وتطاحن دائم وتزاحم على الولايات ، ولم تكن لكفاءة الولاة على إدارة الحكم قيمة بل كان يصل إليه كل من يحدث به نفسه ويعتز بقوة وعصبية وجرأة ، ويصانع ولاة الأمور بالأموال وحكم البلاد سلعة من السلع تطرح في أسواق المزايدة في ذلك الحين ، والظافر في الحكم الاقطاعي من هو أكثر بذلا للمال . فكم من خامل جاهل استطاع أن يلي ولاية واسعة وهو لا يحسن من سياستها إلّا ضروب التحيل لجمع الضرائب ليرضي بها الولاة ، وكم من أمي مكنت له أساليب ذلك الحكم الذي كادت تكون قوانينه ونظمه مزيجا من الظلم والقهر والنهب وأمشاجا من المكايد والحيل والغدر ، وعلى هذا النمط كانت في ذلك العهد تساس الدولة العثمانية وللولاة العثمانيين سلطة مطلقة لا تحد ، يصطنعون من رجال البلاد التي يتولونها من يشاؤون شريطة أن يغدقوا عليهم الأموال التي يجبونها بشتى الأساليب غير المشروعة ، فكانت طرابلس كغيرها من البلاد الشامية تساس في ذلك النوع من الحكم ويتزاحم عليه طلابه من هنا وهناك فلا تكاد تعرف للاستقرار وجها ولا سببا .
وفي هذا الوسط المضطرب كان الخوف من سلطان الغالب شاملا وكان للطائفية الممقوتة أثرها غير المستحب وكانت تساس بها البلاد . ومن جراء ذلك كثر نزوح الأقليات من بلد إلى بلد حيث تلجأ إلى الأكثرية منها . يقول الأمير حيدر في حوادث سنة 922 ه 1516 م ، ص 562 :
سكن في هذه السنة ( التي ملك بها السلطان سليم بلاد الشام ) النازحون من نصارى طرابلس عرمون كسروان .
سنة 923 ه 1517 م :