وجاءته العساكر من مختلف البلاد الشامية والجزيرة والموصل ، واجتمعت عليه وكثرت عنده فسار حتى نزل حصن الأكراد من الجانب الشرقي فأقام يومين ، وسار جريدة وترك أثقال العسكر موضعها تحت الحصن ، ودخل إلى بلد الفرنج فأغار على صافيتا والعريمة ويحمور وغيرها من البلاد والولايات ، ووصل إلى قرب طرابلس وأبصر البلاد وعرف من أين يأتيها .
لما أقام صلاح الدين تحت حصن الأكراد وأتاه قاضي جبلة وهو منصور بن نبيل يستدعيه إليه ليسلمها إليه ، فسار صلاح الدين معه فنزل بأنطرطوس فرأى الفرنج قد أخلوها وبعد أن خربها رحل عنها وأتى مرقية وقد أخلاها أهلها وسار إلى المرقب وهي من حصونهم التي لا ترام ، واتفق صاحب صقلية من الفرنج قد سيّر نجدة إلى فرنج الساحل في ستين قطعة من الشواني ، وكانوا بطرابلس ، فلما سمعوا بمسير صلاح الدين جاؤوا ووقفوا في البحر تحت المرقب في شوانيهم ليمنعوا من يجتاز بالسهام . ولكن صلاح الدين اتخذ خطة اجتاز بواسطتها المسلمون عن آخرهم حتى عبروا المضيق ودخلوا إلى جبلة وتسلمها واستسلم المحاصرون من الفرنج بالقلعة بعد الاستئمان .
في هذه السنة : لما فتح صلاح الدين بغراس عزم على التوجه إلى أنطاكية وحصرها فخاف البيمند صاحبها من ذلك وأشفق منه ، فأرسل إلى صلاح الدين يطلب الهدنة وبذل إطلاق كل أسير عنده من المسلمين .
فأجابه إلى ذلك بعد موافقة مستشاريه من القواد على ذلك ، واصطلحوا ثمانية أشهر أولها أول تشرين الأول وآخرها آخر أيار ، وسير رسوله إلى صاحب أنطاكية يستحلفه ويطلق من عنده من الأسرى . وكان صاحب أنطاكية في هذا الوقت أعظم الفرنج شأنا وأكثرهم ملكا فإن الفرنج كانوا قد سلموا إليه طرابلس بعد موت القمص ، وجميع أعمالها مضافا إلى ما كان له لأن القمص لم يخلّف ولدا . فلما سلمت إليه طرابلس جعل ولده الأكبر فيها نائبا عنه . وأما صلاح الدين فإنه عاد إلى حلب ومنها إلى دمشق .
سنة 597 :
تزلزلت الأرض في هذه السنة بالموصل وديار الجزيرة كلها والشام
تاريخ الشيعة السياسي الثقافي الديني — صفحة 414
مساهمون: الشيخ سليمان ظاهر
ص٤١٤