ذلك من التهديد . فلما رأى القمص شدة الأمر عليه خاف واعتذر وتنصل وتاب ، فقبلوا عذره وغفروا زلته وطلبوا منه الموافقة على المسلمين والموآزرة على حفظ بلادهم فأجابهم إلى المصالحة والانضمام إليهم والاجتماع بهم . وسار معهم إلى ملك الفرنج واجتمعت كلمتهم بعد فرقتهم وجمعوا فارسهم وراجلهم ، ثم ساروا من عكا إلى صفورية وهم يقدمون رجلا ويؤخرون أخرى قد ملئت قلوبهم رعبا .
لما اجتمع الفرنج وساروا إلى صفورية جمع صلاح الدين أمراءه واستشارهم فأشار أكثرهم بترك اللقاء وبعضهم بالمناجزة والمطاولة ، ولكنه رجح هو لقاءهم بالمسلمين المجتمعين كلهم ونفذ خطته فتم له فتح طبرية .
ومثل ذلك فعل الفرنج في الاستشارة وكان رأي القمص ترك لقاء المسلمين والرضى باستيلاء صلاح الدين على طبرية ، ولكن البرنس ارناط خالفه وعد رأيه بترك اللقاء خدمة لصلاح الدين . ثم نشبت حرب انتهت بنصرة صلاح الدين في حطين وبقتل ارناط وقد وفى بقتله نذره .
وأما القمص صاحب طرابلس فإنه لما رأى شدة الأمر علم أنهم لا طاقة لهم بالمسلمين ، فاتفق هو وجماعته وحملوا على من يليهم وكان المقدم من المسلمين في تلك الناحية تقي الدين عمر ابن أخي صلاح الدين ، فلما رأى حملة الفرنج حملة مكروب ، علم أنه لا سبب إلى الوقوف في وجوههم فأمر أصحابه أن يفتحوا لهم طريقا يخرجون منه . ولما انهزم القمص سقط في أيديهم وكادوا يستسلمون ، ولما نجا من المعركة وصل إلى صور ثم قصد طرابلس ولم يلبث إلا أياما قلائل حتى مات غيظا وحنقا .
لما انهزم القمص صاحب طرابلس من حطين إلى مدينة صور أقام بها وهي أعظم بلاد الشام حصانة وأشد امتناعا على من رامها ، فلما رأى السلطان قد ملك تبنين وصيدا وبيروت خاف أن يقصد صلاح الدين صور وهي فارغة ممن يقاتل فيها ويحميها ويمنعها فلا يقي على حفظها وتركها .
وسار إلى مدينة طرابلس فبقيت صور شاغرة . ( الكامل الجزء 11 ) .
سنة 584 الصفحة الأولى من الجزء الثاني عشر من الكامل : رحل صلاح الدين في هذه السنة من دمشق إلى حمص ، فنزل على بحيرة قدس ،
تاريخ الشيعة السياسي الثقافي الديني — صفحة 413
مساهمون: الشيخ سليمان ظاهر
ص٤١٣